كتاب
في التيه العربي الكبير.. هل ماتت (العروبة)؟ (٢)
تاريخ النشر: 23 سبتمبر 2018 01:01 KSA
على من نضحك في عالمنا العربي؟ وإلى متى يستمر مشهدُنا الذي يزداد بشاعةً وسُخفاً وخطراً على الجميع؟ الأسئلة مشروعةٌ، ببساطة، لأن العرب قالت تاريخياً: «لسانُ الحالِ أصدقُ من لسان المقال». فبغض النظر عن الشعارات الإعلامية والاجتماعات الرسمية، وتصريحات الهيئات التي يُفترض بها جمعُ الكلمة، كالجامعة العربية، يبدو واضحاً أن كثيراً منا، في وارد الضحك على أنفسنا بكل ما في الكلمة من معنى. يحصل هذا بممارسات وسياسات تقود إلى هاويةٍ لا تستوعب الجميع فقط، بل وتقول: هل من مزيد؟
والحقيقة أن كثيراً من العرب لم يعودوا بحاجةٍ إلى من يشرح لهم خطورة واقعهم، وإذا كان البعض حتى الآن لا يشعرون، أو لا يريدون أن يشعروا، إلى أين يمضي ذلك الواقع في ظل ثلاثية الانكشاف والاستفراد والسوابق، فإن في العرب من يعرف تمامًا نهاية هذا الطريق.
لا ندعو هنا إلى عملٍ عربيٍ مشترك، ولا ننادي بتنسيقٍ عربيٍ أخوي، ولا نطالب بتعاونٍ عربيٍ فعّال، فالواقع الفاقع يؤكد لنا أن هذه الشعارات التي لم تُغنِ ولم تُسمن من جوعٍ يوماً، لن يكون لها حتماً أن تحقق ذلك في مثل هذه الظروف، لكن المأزق في الموضوع أننا جميعاً (في سفينةٍ واحدة)، والذي يعتقد أنه يمكن أن يأوي إلى جبلٍ يعصمهُ من الماء، حين يبدأ الفيضان، واهمٌ في أحسن الأحوال. ليس هذا مثالاً رومانسياً يُطرح للتسلية بقدر كونه واقعاً عملياً يفرضه حدٌ أدنى من إدراك حقائق الجغرافيا السياسية للمنطقة.
هل ثمة خياراتٌ في مواجهة هذا الواقع؟ بالتأكيد.. لكن الخطوة الأولى تكمن في المزيد من تشريح المشكلة والحديث فيها بصراحةٍ وشفافية، حتى لو كانت أشبهَ بِفركِ الملح في الجُرح، وآخر الدواء الكيّ كما قالت العرب أيضاً.
لا يمكن، مثلاً، حلُّ المشكلات بعقلية الهروب إلى الأمام.. هذا درسُ التاريخ والمنطق للبشر في كل زمان ومكان.. لكن بعض العرب، وبعض أطراف النظام السياسي العربي بالذات، لا يبدون في وارد العلم بقاعدة الدرس المذكور.
وللتوضيح والتذكير، نحن نتحدث هنا عن الشأن العربي العام، وليس عن أوضاع ذات خصوصيةٍ محليةٍ.
يرى البعض -كما حدث في دول الربيع العربي- أنفسهم في ورطةٍ نتجت عن طريقة تفكيرهم وممارساتهم، وعن سوء التقدير والحسابات فيما يتعلق بمقدماتهم وأدواتهم، فلا يجدون حلاً سوى الإصرار على السير في نفس الطريق، وهذا هو الهروب إلى الأمام.
يصرّ هؤلاء على التفكير بطريقةٍ واحدةٍ لا تتغير، يؤكدون على القيام بنفس الممارسات، ينطلقون دائماً من نفس المقدمات، يستعملون على الدوام نفس الوسائل والأساليب والأدوات، يمارسون أقصى ما يمكن من درجات المعاندة والمكابرة تجاه ذواتهم قبل أن يمارسوها تجاه الآخرين. كل هذا ليؤكدوا للدنيا بأسرها بأنهم لا يخطئون مهما حصل، حتى لو واجَهتهم الوقائع والأحداث والتطورات بكل ما فيها من أدلةٍ وشواهد واضحة وضوح الشمس.
فإذا حصلت مشكلةٌ، فلأنّ الآخرين خونةٌ، وإذا ظهرت أزمةٌ، فلأنّ الآخرين عملاء، وإذا بانَ إخفاقٌ، فلأنّ الآخرين انتهازيون ومَصلَحيُّون.
وبالتالي، فلا ضرورة لأي مراجعة، ولا حاجة لأي تصحيح جذري، ولا جدوى من أي تحقيقٍ عميق وشامل في المشكلة، بل لا ضرورة حتى لمجرد التساؤل الشفاف والصريح.
والنتيجة المنطقية لكل هذا أن كل ماهو متاح، وكل ماهو مطروح، يتمثل في المضي في نفس الطريق.. بنفس العقلية.. وبنفس الممارسات.. وبنفس المقدمات.. وبنفس الأدوات.. والأخطر من هذا، بنفس الروح. تلك الروح التي لا تعرف التجدد، ولا الابتكار، ولا التغيير، ولا توسيع دوائر الخيارات، ولا الآفاق الكبيرة للتفكير خارج الصندوق.
إلى متى يستمر هذا الواقع العربي؟ يوماً ما سيجيب التاريخ عن هذا السؤال. لكن جوابه لن يكون إلا صدىً لخيارات الحاضر. فالمسألة، في النهاية، مسألة خيار لا يستطيع أحدٌ أن يلزم أحداً به، غير أن الحساس في الموضوع هو أن الخيار لن يبقى مطروحاً إلى الأبد، لذلك فإن قراراً بشأنه يجب أن يتم اليوم، قبل فوات الأوان.
والحقيقة أن كثيراً من العرب لم يعودوا بحاجةٍ إلى من يشرح لهم خطورة واقعهم، وإذا كان البعض حتى الآن لا يشعرون، أو لا يريدون أن يشعروا، إلى أين يمضي ذلك الواقع في ظل ثلاثية الانكشاف والاستفراد والسوابق، فإن في العرب من يعرف تمامًا نهاية هذا الطريق.
لا ندعو هنا إلى عملٍ عربيٍ مشترك، ولا ننادي بتنسيقٍ عربيٍ أخوي، ولا نطالب بتعاونٍ عربيٍ فعّال، فالواقع الفاقع يؤكد لنا أن هذه الشعارات التي لم تُغنِ ولم تُسمن من جوعٍ يوماً، لن يكون لها حتماً أن تحقق ذلك في مثل هذه الظروف، لكن المأزق في الموضوع أننا جميعاً (في سفينةٍ واحدة)، والذي يعتقد أنه يمكن أن يأوي إلى جبلٍ يعصمهُ من الماء، حين يبدأ الفيضان، واهمٌ في أحسن الأحوال. ليس هذا مثالاً رومانسياً يُطرح للتسلية بقدر كونه واقعاً عملياً يفرضه حدٌ أدنى من إدراك حقائق الجغرافيا السياسية للمنطقة.
هل ثمة خياراتٌ في مواجهة هذا الواقع؟ بالتأكيد.. لكن الخطوة الأولى تكمن في المزيد من تشريح المشكلة والحديث فيها بصراحةٍ وشفافية، حتى لو كانت أشبهَ بِفركِ الملح في الجُرح، وآخر الدواء الكيّ كما قالت العرب أيضاً.
لا يمكن، مثلاً، حلُّ المشكلات بعقلية الهروب إلى الأمام.. هذا درسُ التاريخ والمنطق للبشر في كل زمان ومكان.. لكن بعض العرب، وبعض أطراف النظام السياسي العربي بالذات، لا يبدون في وارد العلم بقاعدة الدرس المذكور.
وللتوضيح والتذكير، نحن نتحدث هنا عن الشأن العربي العام، وليس عن أوضاع ذات خصوصيةٍ محليةٍ.
يرى البعض -كما حدث في دول الربيع العربي- أنفسهم في ورطةٍ نتجت عن طريقة تفكيرهم وممارساتهم، وعن سوء التقدير والحسابات فيما يتعلق بمقدماتهم وأدواتهم، فلا يجدون حلاً سوى الإصرار على السير في نفس الطريق، وهذا هو الهروب إلى الأمام.
يصرّ هؤلاء على التفكير بطريقةٍ واحدةٍ لا تتغير، يؤكدون على القيام بنفس الممارسات، ينطلقون دائماً من نفس المقدمات، يستعملون على الدوام نفس الوسائل والأساليب والأدوات، يمارسون أقصى ما يمكن من درجات المعاندة والمكابرة تجاه ذواتهم قبل أن يمارسوها تجاه الآخرين. كل هذا ليؤكدوا للدنيا بأسرها بأنهم لا يخطئون مهما حصل، حتى لو واجَهتهم الوقائع والأحداث والتطورات بكل ما فيها من أدلةٍ وشواهد واضحة وضوح الشمس.
فإذا حصلت مشكلةٌ، فلأنّ الآخرين خونةٌ، وإذا ظهرت أزمةٌ، فلأنّ الآخرين عملاء، وإذا بانَ إخفاقٌ، فلأنّ الآخرين انتهازيون ومَصلَحيُّون.
وبالتالي، فلا ضرورة لأي مراجعة، ولا حاجة لأي تصحيح جذري، ولا جدوى من أي تحقيقٍ عميق وشامل في المشكلة، بل لا ضرورة حتى لمجرد التساؤل الشفاف والصريح.
والنتيجة المنطقية لكل هذا أن كل ماهو متاح، وكل ماهو مطروح، يتمثل في المضي في نفس الطريق.. بنفس العقلية.. وبنفس الممارسات.. وبنفس المقدمات.. وبنفس الأدوات.. والأخطر من هذا، بنفس الروح. تلك الروح التي لا تعرف التجدد، ولا الابتكار، ولا التغيير، ولا توسيع دوائر الخيارات، ولا الآفاق الكبيرة للتفكير خارج الصندوق.
إلى متى يستمر هذا الواقع العربي؟ يوماً ما سيجيب التاريخ عن هذا السؤال. لكن جوابه لن يكون إلا صدىً لخيارات الحاضر. فالمسألة، في النهاية، مسألة خيار لا يستطيع أحدٌ أن يلزم أحداً به، غير أن الحساس في الموضوع هو أن الخيار لن يبقى مطروحاً إلى الأبد، لذلك فإن قراراً بشأنه يجب أن يتم اليوم، قبل فوات الأوان.