كتاب

العالم يحب الدكتاتور العادل

تتصاعد الخلافات فيما بين صناع القرار بأميركا في كيفية حكم بلادهم، وتوجيه صناعة القرار في العالم. إذ إن النظام الليبرالي العالمي الذي أقامه الأميركيون بالتعاون مع البريطانيين بعد الحرب العالمية الثانية حدد الاتجاه نحو ليبرالية عالمية ووحدة اتجاه وأنظمة تحت مظلة الديموقراطية الليبرالية والمؤسسات الدولية التي أقيمت لخدمة هذا التوجه، ومـن آخرها كان نظام العولمة التجارية (منظمة التجارة العالمية). واستمرت الدعوة عبر المؤسسات الدولية والأجهزة الإعلامية المختلفة ومراكز الأبحاث التي انتشرت على رقعة العالم برعاية أميركية الى تغيير المجتمعات والثقافة والأنظمة الاقتصادية والسياسية لتكون مشابهة ومتطابقة للنظام الديموقراطي الليبرالي أو أقرب ما يكون. وركزت أجهزة صناعة القرار الليبرالي في أميركا، من اليسار المتطرف الى اليمين المعتدل على العمل لمنع فوز اليمين المتشدد بالبيت الأبيض وأدواته.

وكانت المفاجأة أن شخصاً من خارج المؤسسة السياسية، وبعيداً عن التشدد اليميني قد فاز عبر تحالفات علنية وسرية بالانتخابات الرئاسية الأميركية، وتمكن بجرأة تصريحاته وتصرفاته من جعل «حراس النظام العالمي الليبرالي» يعتقدون أن لا خطر منه على النظام وأن اليمين المتشدد الذي التف حوله سوف يكتشف أنه لن يحقق لهم الفوائد المرجوة لسحب النظام الأميركي من ليبراليته الى يمينية متشددة، إذ ليس لديه الوعي السياسي أو الثقافي ولا الإرادة لإحداث تغيير كبير مثل هذا. إلا أن دونالد ترمب أظهر قدراً كبيراً من المرونة السياسية والقدرة على المراوغة بحيث حوَّل نفسه الى قديس يسكن البيت الأبيض وسمح لليمين الأميركي المتشدد أن يستخدمه لتحقيق تغييرات كبيرة في النظام الأميركي، ولهذا نشاهد الليبراليين الأميركيين في الإعلام والسياسة ومراكز الأبحاث يسعون بقوة الى منعه من تجديد فترته الرئاسية حتى لا تتحول التغييرات التى أحدثها إلى وضع دائم أو طويل الأمد.


ويقول باحثان أميركيان، ان الاستقطاب في أميركا تأصل خلال عشرات السنين، وأن البداية كانت خلال الستينيات والسبعينيات حين برزت حركة الحقوق المدنية وحركة حقوق المرأة وحركة معارضة حرب فيتنام وحركة الثورة الجنسية، حين برزت رؤيتان إحداهما تبنت التطورات الواسعة السياسية والاجتماعية ورؤية أخرى محافظة سعت إلى منع أو الحد من هذه التطورات. وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، واضحاً في الاتجاه المحافظ الذي يقوده البيت الأبيض في كلمته الأخيرة أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، إذ قال : «المستقبل ليس ملك من يدعون الى العولمة، إنه ملك من يحبون الوطن.. لهذا بدأنا في أميركا مشروعاً جديداً لإحياء الروح الوطنية»، وهاجم الليبراليين في بلاده قائلاً: «هناك طبقة سياسية ترفض وتتحدى إرادة الشعب، ومؤسسات أكاديمية تعتدي على قيمنا وتقاليدنا». ودعا زعماء العالم قائلاً: « أدعوكم الى إعلاء شأن أوطانكم، واحترام ثقافاتكم، وتقدير مواطنيكم».

دعوة ترمب هي التخلي عن العولمة والتركيز على الأوطان، ونسيان الضغوط التي كان يمارسها الأميركيون لتطبيق ديموقراطية ليبرالية، بالشكل الذي يرونه في باقي دول العالم. ويصف هذا الحال فريد زكريا، في مقال له بالواشنطن بوست خلال الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، بأنه «انحسار الديموقراطية» ويقول: إن ارتفاع القبلية السياسية أحد أسباب تراجع الديموقراطية، إذ يسود الإحساس بأن كلاً منا جزء من فريق وأن فريقنا على حق دائماً، حقاً أو باطلاً.


وينقل عن كتاب صدر مؤخراً بعنوان «عندما تجزى الجريمة» بأن السياسيين المتهمين بجرائم من المرجح أن ينجحوا في الانتخابات بالهند، لأن الاعتقاد أن من يخالفون القانون يفعلون ذلك لمساعدة القبيلة. ويقول باحثان في بحث لهما أجرياه في دول أوربية وأميركا، إن هناك ارتفاعاً كبيراً في نسبة الأشخاص الذين يرغبون مشاهدة «قائد قوي لا تشغله الانتخابات البرلمانية».

يبدو أن العالم يتجه الى حب (الدكتاتور العادل). وهي أخبار سيئة لمؤسسات أقامها النظام العالمي الليبرالي لتحقيق العكس من ذلك وكثيراً ما يكون «الديموقراطي الفاسد».

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!