كتاب
السعودية وسوريا: مواعيد التاريخ والجغرافيا
تاريخ النشر: 01 فبراير 2025 23:00 KSA
«عاجلًا أم آجلًا، سوريا بلا بشَّار الأسد، الذي انتهى فيها. بشَّار الأسد فاقدٌ للشرعيَّة، ولا مستقبل لسوريا بوجوده».
كان هذا بمثابة التَّصريح/ النُّبوءة الذي مثَّل الموقف الإستراتيجيَّ السعوديَّ، طويل الأمد، من الثَّورة السوريَّة.
أطلق التَّصريح وزير الخارجيَّة السعوديُّ -وقتها- عادل الجبير، وحصل هذا مبكِّرًا في شهر سبتمبر من عام 2015.
ورغم تأكيده لأفضليَّة الحلِّ السياسيِّ، إلَّا أنَّه أضاف قائلًا: «إنْ لم يستجب الأسد للحلِّ السياسيِّ، فإنَّه سيُبعدُ عن طريق حلٍّ عسكريٍّ. إذا لم يحقِّق الحلُّ السياسيُّ المبنيُّ على مبادئ (جنيف 1) أهدافَه السَّاعية إلى إنشاء مجلس انتقاليٍّ يهيئُ سوريا لمستقبلٍ أفضلَ بدون بشَّار الأسد، فإنَّ الحلَّ سيكون عسكريًّا». ولمرَّة ثالثة في التَّصريح أكَّد قائلًا: «الخيار العسكريُّ لا يزال قائمًا، والمعارضة السوريَّة ما زالت تواجه الأسد بفاعلية أكبر مع مرور الزَّمن».
من هنا، لا يبدو الموقفُ السعوديُّ من سوريا المحرَّرة، غريبًا على الإطلاق.
لم تكن مواقف الأفراد، ولا الجماعات، في يومٍ من الأيَّام، مدخلَ الفكرِ السياسيِّ الإستراتيجيِّ للمملكة، عندما يتعلَّق الأمر بسوريا. وإنَّما كان الفكر المذكور يتمحور -دومًا- حول سوريا كدولة. ذلك أنَّ حسابات دولةٍ بحجم السعوديَّة، تدرك وتحترم دورها في الإقليم والعالم، تختلف، وأحيانًا جذريًّا، عن حسابات الأفراد والجماعات.
من هنا، وبكلِّ بساطةٍ وصراحةٍ ووضوحٍ، دعمتِ المملكةُ المعارضةَ السياسيَّةَ السوريَّةَ حين تصدَّت هذه لمهمَّة الحفاظ على تلك الدَّولة.
لكن فشل المعارضة في القيام بالمهمَّة، على مدى سنوات، وتضييعها الفرصة تلو الأُخْرى، وضع المملكة أمام استحقاق البحث المتجدِّد عمَّا يضمن استمرار الدَّولة السوريَّة.
وما إنْ ظهرت قدرة المعارضة العسكريَّة السوريَّة على تحقيق هذا الهدف، حتَّى سارعت المملكة إلى احتضان قيادتها للدَّولة السوريَّة الجديدة.
كان هذا الاحتضان السَّريع والقوي والشَّامل، محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، وفي مختلف المجالات -بحدِّ ذاته- دليلًا على عطش السعوديَّة، القديم المتجدِّد، لظهور سوريِّين يثبتُون أنَّهم أهلٌ لتلك المهمَّة الصَّعبة والعزيزة.
لهذا بالتَّحديد، لم يكن في موقف السعوديَّة تجاه سوريا الجديدة ثمَّة تردُّدٌ، وحذرٌ، وشكٌّ، وتخوُّفٌ، وغير ذلك من التوصيفات لمواقف متنوِّعة إقليميَّة وعالميَّة، شاهدها السوريُّون، تجاه التَّغيير الكبير والحقيقي في دمشق.
يحصل هذا، ببساطةٍ، فقط، عندما تكون الحسابات متعلِّقةً، -حصرًا- بمصلحة سوريا، وبدورها المطلوب في المنطقة والعالم.
في المقابل، تغيب تلك البساطة والرَّحابة، عندما يدخل في حسابات الدُّول تحقيق مصالحها الخاصَّة، وأحيانًا على حساب سوريا والسوريِّين.
أمَّا بالنسبة للمملكة، فقد كانت المعادلة سهلةً: تواصلٌ سريعٌ ومباشرٌ مع القيادة السوريَّة الجديدة تمَّ فيه الاطَّلاع، المحسوب والدَّقيق، على التوجُّهات الإستراتيجيَّة لتلك القيادة، ونتج عنه اطمئنانٌ دفعَ لاحتضانها دون تعقيد.
والواضح أنَّ الموقف السعودي الحازم والحاسم، ينبع من قراءة حضارية، يظهر منها ارتباط البلدين، يتداخل فيها التاريخ بالجغرافيا، ويلمح فيها بوضوح دور الثقافة والدين والاقتصاد والاجتماع البشري، لتأكيد ذلك الارتباط.
فالتاريخ يظهر، مرةً تلو أُخْرى، كيف كان إحساس إنسان الجزيرة العربيَّة، أنَّ الشام هي بوابتهُ إلى العالم، بمعناه الجغرافيِّ، وبمعناه الحضاريِّ الذي يتضمَّن الثَّقافة والاقتصاد والاجتماع البشريِّ، والتداخل الديمغرافيِّ. حصلَ هذا قبل الإسلام، من خلال رحلة الصَّيف التي وثَّقها القرآنُ الكريمُ نفسه، وأعطاها أبعادها الحسَّاسة في معرض الإشارة إلى «إيلاف قريش»، وإلى كونها وسيلةً لـ»الإطعامِ مِن جوعٍ والأمنِ من خوفٍ».
ورغم الانفتاح الهائل للمملكة على العالم في هذا العصر، إلَّا أنَّ قيادتها تدرك قيمة العاملَين اللذَين يشكِّلان مصدر أهميَّة سوريا الإستراتيجيَّة: إنسانها، وجغرافيتها السياسيَّة.
تلك هي -إذًا- مقدِّمات ومداخل العلاقة الإستراتيجيَّة السعوديَّة السوريَّة الجديدة.
وإذ تَظهرُ مشاعر امتنان السوريِّين واضحةً، لا تحتاج لعرضٍ وتفصيلٍ، إلَّا أنَّ أملَهم الكبير يتمثَّل حاليًّا في التَّعبير عمليًّا عن ذلك الامتنان، بصياغةِ علاقةٍ بين البلدين تكون مصدر كل خيرٍ للشَّعبين، وللعربِ والمسلمِينَ.
@waelmerza
كان هذا بمثابة التَّصريح/ النُّبوءة الذي مثَّل الموقف الإستراتيجيَّ السعوديَّ، طويل الأمد، من الثَّورة السوريَّة.
أطلق التَّصريح وزير الخارجيَّة السعوديُّ -وقتها- عادل الجبير، وحصل هذا مبكِّرًا في شهر سبتمبر من عام 2015.
ورغم تأكيده لأفضليَّة الحلِّ السياسيِّ، إلَّا أنَّه أضاف قائلًا: «إنْ لم يستجب الأسد للحلِّ السياسيِّ، فإنَّه سيُبعدُ عن طريق حلٍّ عسكريٍّ. إذا لم يحقِّق الحلُّ السياسيُّ المبنيُّ على مبادئ (جنيف 1) أهدافَه السَّاعية إلى إنشاء مجلس انتقاليٍّ يهيئُ سوريا لمستقبلٍ أفضلَ بدون بشَّار الأسد، فإنَّ الحلَّ سيكون عسكريًّا». ولمرَّة ثالثة في التَّصريح أكَّد قائلًا: «الخيار العسكريُّ لا يزال قائمًا، والمعارضة السوريَّة ما زالت تواجه الأسد بفاعلية أكبر مع مرور الزَّمن».
من هنا، لا يبدو الموقفُ السعوديُّ من سوريا المحرَّرة، غريبًا على الإطلاق.
لم تكن مواقف الأفراد، ولا الجماعات، في يومٍ من الأيَّام، مدخلَ الفكرِ السياسيِّ الإستراتيجيِّ للمملكة، عندما يتعلَّق الأمر بسوريا. وإنَّما كان الفكر المذكور يتمحور -دومًا- حول سوريا كدولة. ذلك أنَّ حسابات دولةٍ بحجم السعوديَّة، تدرك وتحترم دورها في الإقليم والعالم، تختلف، وأحيانًا جذريًّا، عن حسابات الأفراد والجماعات.
من هنا، وبكلِّ بساطةٍ وصراحةٍ ووضوحٍ، دعمتِ المملكةُ المعارضةَ السياسيَّةَ السوريَّةَ حين تصدَّت هذه لمهمَّة الحفاظ على تلك الدَّولة.
لكن فشل المعارضة في القيام بالمهمَّة، على مدى سنوات، وتضييعها الفرصة تلو الأُخْرى، وضع المملكة أمام استحقاق البحث المتجدِّد عمَّا يضمن استمرار الدَّولة السوريَّة.
وما إنْ ظهرت قدرة المعارضة العسكريَّة السوريَّة على تحقيق هذا الهدف، حتَّى سارعت المملكة إلى احتضان قيادتها للدَّولة السوريَّة الجديدة.
كان هذا الاحتضان السَّريع والقوي والشَّامل، محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، وفي مختلف المجالات -بحدِّ ذاته- دليلًا على عطش السعوديَّة، القديم المتجدِّد، لظهور سوريِّين يثبتُون أنَّهم أهلٌ لتلك المهمَّة الصَّعبة والعزيزة.
لهذا بالتَّحديد، لم يكن في موقف السعوديَّة تجاه سوريا الجديدة ثمَّة تردُّدٌ، وحذرٌ، وشكٌّ، وتخوُّفٌ، وغير ذلك من التوصيفات لمواقف متنوِّعة إقليميَّة وعالميَّة، شاهدها السوريُّون، تجاه التَّغيير الكبير والحقيقي في دمشق.
يحصل هذا، ببساطةٍ، فقط، عندما تكون الحسابات متعلِّقةً، -حصرًا- بمصلحة سوريا، وبدورها المطلوب في المنطقة والعالم.
في المقابل، تغيب تلك البساطة والرَّحابة، عندما يدخل في حسابات الدُّول تحقيق مصالحها الخاصَّة، وأحيانًا على حساب سوريا والسوريِّين.
أمَّا بالنسبة للمملكة، فقد كانت المعادلة سهلةً: تواصلٌ سريعٌ ومباشرٌ مع القيادة السوريَّة الجديدة تمَّ فيه الاطَّلاع، المحسوب والدَّقيق، على التوجُّهات الإستراتيجيَّة لتلك القيادة، ونتج عنه اطمئنانٌ دفعَ لاحتضانها دون تعقيد.
والواضح أنَّ الموقف السعودي الحازم والحاسم، ينبع من قراءة حضارية، يظهر منها ارتباط البلدين، يتداخل فيها التاريخ بالجغرافيا، ويلمح فيها بوضوح دور الثقافة والدين والاقتصاد والاجتماع البشري، لتأكيد ذلك الارتباط.
فالتاريخ يظهر، مرةً تلو أُخْرى، كيف كان إحساس إنسان الجزيرة العربيَّة، أنَّ الشام هي بوابتهُ إلى العالم، بمعناه الجغرافيِّ، وبمعناه الحضاريِّ الذي يتضمَّن الثَّقافة والاقتصاد والاجتماع البشريِّ، والتداخل الديمغرافيِّ. حصلَ هذا قبل الإسلام، من خلال رحلة الصَّيف التي وثَّقها القرآنُ الكريمُ نفسه، وأعطاها أبعادها الحسَّاسة في معرض الإشارة إلى «إيلاف قريش»، وإلى كونها وسيلةً لـ»الإطعامِ مِن جوعٍ والأمنِ من خوفٍ».
ورغم الانفتاح الهائل للمملكة على العالم في هذا العصر، إلَّا أنَّ قيادتها تدرك قيمة العاملَين اللذَين يشكِّلان مصدر أهميَّة سوريا الإستراتيجيَّة: إنسانها، وجغرافيتها السياسيَّة.
تلك هي -إذًا- مقدِّمات ومداخل العلاقة الإستراتيجيَّة السعوديَّة السوريَّة الجديدة.
وإذ تَظهرُ مشاعر امتنان السوريِّين واضحةً، لا تحتاج لعرضٍ وتفصيلٍ، إلَّا أنَّ أملَهم الكبير يتمثَّل حاليًّا في التَّعبير عمليًّا عن ذلك الامتنان، بصياغةِ علاقةٍ بين البلدين تكون مصدر كل خيرٍ للشَّعبين، وللعربِ والمسلمِينَ.
@waelmerza