كتاب

دور السوريين.. في التحول الثقافي للثوار

كيف (يتفاعل) المجتمعُ السوريُّ، مع عشرات الآلاف من الشباب السوريِّ الذي شارك في عمليَّة التَّحرير العسكريَّة؟ وما هو دور النُّخب السوريَّة في هذه المسألة؟ وما طبيعة (الخطاب) النَّظريِّ والعمليِّ الذي يجدر بالنُّخب والمجتمع (المشاركة) في صياغته بغرض توجيهه إلى أولئك الشَّباب؟ خطاب (يحتضنهم) ويشعرون أنَّه صادرٌ عن رصيد الثقافة السوريَّة.

نعم.. هناك حالات شذوذ فرديَّة، وهي تبقى (فرديَّةً) بالنَّظر إلى مساحة وجود هذه الشريحة على الأرض السوريَّة، وأعدادهم الكبيرة فيها، وممارساتهم التي تتَّصف بالانضباط الشديد، قياسًا إلى ما كان يمكن أنْ يكون.. ليس فقط بحدٍّ أدنى من التقويم المنهجيِّ الموضوعيِّ للظاهرة، بل بشهادات موضوعيَّة لخبراء ومراقبِينَ في مراكز رصدٍ وبحثٍ عالميَّةٍ/ غربيَّةٍ.


والبحث في الأسئلة أعلاه ضروريٌّ؛ لأنَّ إجاباتها تساهم، وبقوَّةٍ، في عمليَّة التحوُّل الثقافيِّ المطلوب لدى هؤلاء. وهذا تحوُّلٌ لا يمكن أنْ تتولَّى مهمَّة تحقيقه الإدارة الجديدة وحدها، مع رغبتها الشَّديدة بحصوله.

فهذا، فضلًا عن كونه همًّا كبيرًا آخرَ يتموضع فوق هموم أُخرى متداخلة ومُعقَّدة وكثيرة، يبقى همًّا أجدر بأنْ يحمل عبئه المجتمع المدني بنخبه ومؤسَّساته، بل وبجماهيره الواسعة.


وإذ تمثِّل هذه الشرائح نقطة التماس المباشرة، واليوميَّة، بين الإدارة والمجتمع السوريِّ، فإنَّ طبيعة التفاعل بين المجتمع وبينهم؛ يمكن أنْ تكون مفترق طريقٍ في عمليَّة التحوُّل الثقافيِّ التي تتطلَّع الإدارة لدور المجتمع الإيجابيِّ فيها.

يعرف المجتمع السوريُّ، ونخبه، الخلفيَّة الثقافيَّة التي نشأ عليها هؤلاء الشَّباب في السنوات الماضية، إلَّا أنَّ ما يجب الانتباه إليه، والبناء عليه، يتمثَّل فيما يمكن تسميته (الصَّدمة الثقافيَّة الإيجابيَّة) التي تعرَّضوا لها خلال عمليَّة التَّحرير.

نحن بإزاء شباب تشكَّلت فيهم هويةٌ متعدِّدة الأوجه، يغلب عليها الطَّابع الدِّينيُّ. لكنَّ ثمَّة جرعةً كبيرةً جدًّا من (الوطنيَّة) تعتمل بقوَّةٍ داخل تلك الهويَّة، وإنْ لم يتم تعريفها بتلك الصِّفة في وجدانهم.

خرجَ هؤلاء من (إدلب)، حيث تموضعَ اجتماعٌ سوريٌ يغلب أنْ يكون من لونٍ واحدٍ، بجميع المقاييس، كان محلًّا لتنزيلٍ سهلٍ فيه لثقافتهم الدِّينيَّة.

لكنَّ دخول حلب، وما بعدها من المدن السوريَّة، وصولًا إلى دمشق، وَضَعهم أمام عبء التَّعامل مع مجتمعات (معقَّدة)، بالنسبة لهم، ثقافيًّا واجتماعيًّا وقيميًّا، فيما يتعلَّق بأنماط العيش والحياة.

بدأ التَّعامل مع هذا الوضع بالنسبة إليهم داخلًا في باب (التَّنازلات والرُّخص) المبني على ضرورة تغليب المصالح العامَّة الكُبْرى. لكنَّ صدمتهم الثقافيَّة بدأت مع إبصار رد الفعل الجماهيريِّ الواسع على وجودهم، فرحًا وفخرًا وتقديرًا وامتنانًا وترحيبًا وعرفانًا بالجميل.

لم ينظر المجتمع السوري إليهم، على أنهم (غرباء) كما كانت شرائح منهم تتحسب. بل قوبلوا بما يقابل به (المحررون) في كل ثقافة متصالحة مع نفسها. ومع مضي الأيام، وتوسع دوائر الأمن والاستقرار، ورؤيتهم لحجم الدعم الشعبي، الذي ساعد على ترسيخ مشروعية الوضع الجديد، شعر هؤلاء أن ما حسبوه (تنازلات ورخص) قد يكون هو الأصلَ العقدي الذي يحفظ مرحلة بناء الدولة، داخليا وخارجيا.

هنا وصَلنا إلى مرحلةٍ تم فيها غرس بذور التحوُّل الثقافيِّ المطلوب. وجرى هذا بصيرورةٍ مجتمعيَّة عفويَّة، تصدر عن أصالة الثقافة السوريَّة، بكل مكوِّناتها.

لكنَّ الأمر أصبح بحاجةٍ لأنْ ينتقل إلى مرحلة الفعل الإراديِّ. سواء كان على شكل إنتاجٍ ثقافيٍّ مدروس يوسِّعُ دوائر المشترك، ويفتح أفق التعايش الممكن، ويتجنَّب حديَّة اللُّغة والمصطلحات. أو على شكل مبادرات عمليَّة، تسقي تلك البذور وتتعهَّدها بالرِّعاية، و'بحنِّيةٍ' تحدَّث عنها بعض المثقَّفين صفةً لمنهج التعامل المطلوب حاليًّا بين السوريِّين، ويمكن لها أنْ (تستحثَّ) ما في وجدانهم من مشاعر وطنيَّة حقيقيَّة.

أخبار ذات صلة

"الأباطرة الصغار" وثقافة "أنا أولا"!
المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
;
أرستقراطية مكة المكرمة
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
;
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
;
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»