كتاب
إسرائيل وسوريا: سياسات غرور القوة
تاريخ النشر: 05 أبريل 2025 23:24 KSA
ثمَّة علاقةٌ سورياليَّةٌ بين العناصر في المعادلة، بين غرور القوَّة، وقوَّة الغرور! ففي حين تُعادلُ المتغيِّرات المختلفة بعضها في المعادلات الرياضيَّة، يُغذِّي العنصران أحدهما الآخر في هذه المعادلة، وبحيث تكون النتيجةُ صفريةً بشكلٍ يُؤذي صاحبها، نهاية المطاف، كما لا يؤذيه فعلٌ آخرُ.
لا نَصدُرُ في تحليلِنَا لهذه الظاهرة من حرارة العواطف، أو منطلقات التَّفكير الرغائبيِّ، وإنَّما نتحدَّث هنا عن سُننٍ كونيَّةٍ، وقوانينَ اجتماعيَّةٍ تحكم قيام وسقوط الدُّول والحضارات، لا تتخلَّف. ولئن كانت هذه السُّنن والقوانين مَرِنةً، بمعنى أنَّها يمكن أنْ (تصبرَ) قليلًا على مَن يُعانِدُهَا، غير أنَّ هذا يحصل، للمأساة، من باب المقولة الربانيَّة: (يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).. لَا عجبَ أنْ يأتي حالُ مَن يقعٍُ في مثل هذا الطُّغيانِ موصوفًا بكلمةٍ مِن أعجبِ الكلمات في القرآن الكريم. فالعَمَهُ يمزجُ، بطريقةٍ لا يستطيعُها إلَّا الخالقُ، بينَ العَمَى والضَّلالِ والحِيرَةِ، وكلّ المفرداتِ التي يمكن أنْ تجدها في العربيَّة لتلك المصطلحات.
لماذا نقولُ هذا؟؛ لأنَّ حدًّا أدنَى من القراءة الإستراتيجيَّة للوضعِ في سوريا، تؤكِّد أنَّ هناكَ سقفًا لإسرائيلَ لا يمكن لها أنْ تخترقَهُ. وأنَّ هذا السَّقف مضبوطٌ بترتيباتٍ إقليميَّةٍ ودوليَّةٍ قويَّةٍ. وأنَّ إسرائيلَ يمكن لها أنْ تتقاوَى على مزارعِينَ ومدنيِّينَ في سوريا، بل وأنْ تتنمَّرَ أكثرَ من ذلك بقصفِ بعض المواقعِ العسكريَّة. لكنَّها تُدركُ -قبل غيرها- أنَّ هذا التنمُّرَ يأتي في توقيتٍ حسَّاسٍ جدًّا مع تصاعد جهدٍ دبلوماسيٍّ، متعدِّد الساحات واللاعبِينَ؛ لحسم الموقف الأمريكيِّ فيما يراه أولئك اللاعبُونَ ضرورةً إستراتيجيَّةً عالميَّةً؛ لدعم سوريا الموحَّدة، وإفساح الطريق لمضيِّهَا في مسيرة بناء الدَّولة.
خاصَّةً وأنَّنا نعلمُ أنَّ الحربَ الدبلوماسيَّة، والحربَ التقليديَّة هما شكلَان من أشكال الصِّراع بين الدُّول. وأنَّ شراسة الحرب الدبلوماسيَّة يمكن أنْ تكون بنفس الدرجةِ من حيث الطبيعةِ والدرجةِ. لا حاجةَ، هنَا، لأخذِ العلم بتفوُّق القوَّة العسكريَّة الإسرائيليَّة في المنطقة. لكنْ من المعروف -في سياق العلاقات الدوليَّة- أنَّ إحساس أيِّ قوَّة عسكريَّة متفوِّقة بإمكانيَّة خسارتها في المعركة الدبلوماسيَّة؛ يدفعها لمزيدٍ من الشراسة عملياتيًّا.
حسنًا. لنتجاوز التَّحليل الشخصيَّ، مهما كان مبنيًّا على مُعطيات الواقع الإقليميِّ والدوليِّ. ولنسمع ما يقولهُ شاهدٌ من أهلها.
يتداول السوريُّون تسجيلًا لأحد أكثر الشخصيَّات الإسرائيليَّة المعروفة، عربيًّا، على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، من الذين يمارسُونَ دورًا رئيسًا في الحرب المعنويَّة الإعلاميَّة على العرب عمومًا، والسوريِّين تحديدًا، في هذه الأيام. ففي مساحةٍ له على موقع (X)، حضرَ فيه بعضُ مَن يعتبرُون أنفسهم (سوريِّين).. ويُطالبُون فيه بتدخلٍ عسكريٍّ مباشرٍ وشاملٍ.. لكنَّ الرجل يجد نفسه أمام لحظةِ الحقيقةِ، ويؤكِّد -ردًّا عليهم، وبصريح العبارة- أنَّ إسرائيلَ لا تستطيع القيام بذلك إطلاقًا؛ لأنَّ الموضوعَ موضوعُ دولٍ، ولأنَّ هذا ليس في مصلحة إسرائيلَ. وبدل ذلك، يدلهُم على كيفيَّة تصعيد الأمور في سوريا بأنفسِهم وبجهودِهم!.
ماذَا عن مثالٍ آخرَ، ومن واشنطن هذه المرَّة؟.
هذا ما سمعهُ المرءُ من سياسيٍّ جمهوريٍّ منذ أيَّام فقط: «هذه مشكلتنَا معَ بيبي (نتنياهو).. الخلطُ والتَّداخل بين قراراتهِ السياسيَّة المهووسةِ بالمصلحة الشخصيَّة، وغريزة البقاء.. وتلك القرارات التي يجب أنْ تأخذ بالاعتبارِ استقرارَ إسرائيلَ والمنطقةِ والعالمِ فيما يخصُّ سوريا في هذه المرحلة.. لكنَّ مشكلته الأكبر، أنَّه بسبب ذلك الهوس، لا يرى أنَّ ممارساته في سوريا هي التي تُعطي أكبر مدخل للمشروعيَّة السياسيَّة -الداخليَّة تحديدًا- ولكن أيضًا الإقليميَّة والعالميَّة، للترتيبة السياسيَّة القائمة حاليًّا في سوريا.. فوق هذا، من الواضح أيضًا أنَّ إصراره على هذا الأسلوب الخشن، دليلٌ على أنَّ الاختراقات (الناعمة) التي كان يأمل بها للنسيج السوريِّ المتنوِّع لا تعمل كما كان يريد»!.
لا ينفع أن تطلب من السوريين التعامل -نفسياً وفكرياً- مع التحديات الكبيرة التي تواجههم وتواجه بلادهم، من خلال الشعارات والتطمينات النظرية. لكن معرفتهم بمثل هذه التحليلات يمكن أن تزرعَ في أعماقهم مزيداً من اليقين بأن بلادهم تسير في الاتجاه الصحيح، رغم التحديات. بل وتخلق فيهم مزيداً من الإصرار على القيام بكل ما يؤكد مشاركتهم الفاعلة في تلك المسيرة.
لا نَصدُرُ في تحليلِنَا لهذه الظاهرة من حرارة العواطف، أو منطلقات التَّفكير الرغائبيِّ، وإنَّما نتحدَّث هنا عن سُننٍ كونيَّةٍ، وقوانينَ اجتماعيَّةٍ تحكم قيام وسقوط الدُّول والحضارات، لا تتخلَّف. ولئن كانت هذه السُّنن والقوانين مَرِنةً، بمعنى أنَّها يمكن أنْ (تصبرَ) قليلًا على مَن يُعانِدُهَا، غير أنَّ هذا يحصل، للمأساة، من باب المقولة الربانيَّة: (يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).. لَا عجبَ أنْ يأتي حالُ مَن يقعٍُ في مثل هذا الطُّغيانِ موصوفًا بكلمةٍ مِن أعجبِ الكلمات في القرآن الكريم. فالعَمَهُ يمزجُ، بطريقةٍ لا يستطيعُها إلَّا الخالقُ، بينَ العَمَى والضَّلالِ والحِيرَةِ، وكلّ المفرداتِ التي يمكن أنْ تجدها في العربيَّة لتلك المصطلحات.
لماذا نقولُ هذا؟؛ لأنَّ حدًّا أدنَى من القراءة الإستراتيجيَّة للوضعِ في سوريا، تؤكِّد أنَّ هناكَ سقفًا لإسرائيلَ لا يمكن لها أنْ تخترقَهُ. وأنَّ هذا السَّقف مضبوطٌ بترتيباتٍ إقليميَّةٍ ودوليَّةٍ قويَّةٍ. وأنَّ إسرائيلَ يمكن لها أنْ تتقاوَى على مزارعِينَ ومدنيِّينَ في سوريا، بل وأنْ تتنمَّرَ أكثرَ من ذلك بقصفِ بعض المواقعِ العسكريَّة. لكنَّها تُدركُ -قبل غيرها- أنَّ هذا التنمُّرَ يأتي في توقيتٍ حسَّاسٍ جدًّا مع تصاعد جهدٍ دبلوماسيٍّ، متعدِّد الساحات واللاعبِينَ؛ لحسم الموقف الأمريكيِّ فيما يراه أولئك اللاعبُونَ ضرورةً إستراتيجيَّةً عالميَّةً؛ لدعم سوريا الموحَّدة، وإفساح الطريق لمضيِّهَا في مسيرة بناء الدَّولة.
خاصَّةً وأنَّنا نعلمُ أنَّ الحربَ الدبلوماسيَّة، والحربَ التقليديَّة هما شكلَان من أشكال الصِّراع بين الدُّول. وأنَّ شراسة الحرب الدبلوماسيَّة يمكن أنْ تكون بنفس الدرجةِ من حيث الطبيعةِ والدرجةِ. لا حاجةَ، هنَا، لأخذِ العلم بتفوُّق القوَّة العسكريَّة الإسرائيليَّة في المنطقة. لكنْ من المعروف -في سياق العلاقات الدوليَّة- أنَّ إحساس أيِّ قوَّة عسكريَّة متفوِّقة بإمكانيَّة خسارتها في المعركة الدبلوماسيَّة؛ يدفعها لمزيدٍ من الشراسة عملياتيًّا.
حسنًا. لنتجاوز التَّحليل الشخصيَّ، مهما كان مبنيًّا على مُعطيات الواقع الإقليميِّ والدوليِّ. ولنسمع ما يقولهُ شاهدٌ من أهلها.
يتداول السوريُّون تسجيلًا لأحد أكثر الشخصيَّات الإسرائيليَّة المعروفة، عربيًّا، على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، من الذين يمارسُونَ دورًا رئيسًا في الحرب المعنويَّة الإعلاميَّة على العرب عمومًا، والسوريِّين تحديدًا، في هذه الأيام. ففي مساحةٍ له على موقع (X)، حضرَ فيه بعضُ مَن يعتبرُون أنفسهم (سوريِّين).. ويُطالبُون فيه بتدخلٍ عسكريٍّ مباشرٍ وشاملٍ.. لكنَّ الرجل يجد نفسه أمام لحظةِ الحقيقةِ، ويؤكِّد -ردًّا عليهم، وبصريح العبارة- أنَّ إسرائيلَ لا تستطيع القيام بذلك إطلاقًا؛ لأنَّ الموضوعَ موضوعُ دولٍ، ولأنَّ هذا ليس في مصلحة إسرائيلَ. وبدل ذلك، يدلهُم على كيفيَّة تصعيد الأمور في سوريا بأنفسِهم وبجهودِهم!.
ماذَا عن مثالٍ آخرَ، ومن واشنطن هذه المرَّة؟.
هذا ما سمعهُ المرءُ من سياسيٍّ جمهوريٍّ منذ أيَّام فقط: «هذه مشكلتنَا معَ بيبي (نتنياهو).. الخلطُ والتَّداخل بين قراراتهِ السياسيَّة المهووسةِ بالمصلحة الشخصيَّة، وغريزة البقاء.. وتلك القرارات التي يجب أنْ تأخذ بالاعتبارِ استقرارَ إسرائيلَ والمنطقةِ والعالمِ فيما يخصُّ سوريا في هذه المرحلة.. لكنَّ مشكلته الأكبر، أنَّه بسبب ذلك الهوس، لا يرى أنَّ ممارساته في سوريا هي التي تُعطي أكبر مدخل للمشروعيَّة السياسيَّة -الداخليَّة تحديدًا- ولكن أيضًا الإقليميَّة والعالميَّة، للترتيبة السياسيَّة القائمة حاليًّا في سوريا.. فوق هذا، من الواضح أيضًا أنَّ إصراره على هذا الأسلوب الخشن، دليلٌ على أنَّ الاختراقات (الناعمة) التي كان يأمل بها للنسيج السوريِّ المتنوِّع لا تعمل كما كان يريد»!.
لا ينفع أن تطلب من السوريين التعامل -نفسياً وفكرياً- مع التحديات الكبيرة التي تواجههم وتواجه بلادهم، من خلال الشعارات والتطمينات النظرية. لكن معرفتهم بمثل هذه التحليلات يمكن أن تزرعَ في أعماقهم مزيداً من اليقين بأن بلادهم تسير في الاتجاه الصحيح، رغم التحديات. بل وتخلق فيهم مزيداً من الإصرار على القيام بكل ما يؤكد مشاركتهم الفاعلة في تلك المسيرة.