كتاب

حين تعيد السعودية صياغة ميزان القوة الإقليمي

ليست المصادفات هي التي تُنتج التحوُّلات الكُبْرى في الشرق الأوسط. وما حدث خلال زيارة وليِّ العهد السعوديِّ، الأميرِ محمد بن سلمان، إلى واشنطن، هو واحدةٌ من تلك اللَّحظات التي تتجاوز رمزيَّة اللقاءات البروتوكوليَّة، إلى إعادة هندسة التوازن الإستراتيجيِّ في المنطقة، وبروز لغةٍ جديدةٍ تتشكَّل تدريجيًّا خارج المعادلة التقليديَّة التي حكمت الشرق الأوسط منذ نصف قرن تقريبًا. ففي اليوم الذي وقف فيه الرئيسُ الأمريكيُّ دونالد ترامب معلنًا بيع مقاتلات F-35 للسعوديَّة، ومنح المملكة صفة 'الحليف الإستراتيجي من خارج الناتو'، لم يكنْ يُطلق وعدًا عابرًا، وإنَّما كان يضرب في العمق التاريخيِّ لمبدأ 'التفوُّق العسكريِّ النوعيِّ لإسرائيل'، وهو المبدأ الذي أُعيد إنتاجه لعقودٍ؛ بوصفهِ شرطًا تأسيسيًّا لأيِّ معمارٍ أمنيٍّ في المنطقة.

فبيع هذه الطائرات، التي كانت تمثِّل، في المخيال الإستراتيجيِّ الإسرائيليِّ والأمريكيِّ معًا، خطًّا أحمرَ في التوازنات الصلبة للشرق الأوسط، يفتح الباب لمرحلة جديدة، عنوانها أنَّ إسرائيل لم تعد اللاعب الوحيد الذي يُفترض أنْ يمتلك أدوات الرَّدع العُليا، ولا القوة التي تُقاس على أساسها قُدرات بقيَّة دول المنطقة. وهكذا، بدا وكأنَّ واشنطن، عبر بوابة الرِّياض تحديدًا، تستجيب لوقائع القوَّة الجديدة التي فرضتها السعوديَّة في الإقليم، ولقدرتها على تشكيل شبكة تحالفات متداخلة، تشمل الخليج، وشرق المتوسط، والقرن الإفريقي.


هذا التحوُّل لا يمكن قراءته إلَّا في إطار مشروعٍ سعوديٍّ يشتغل على مدى عقدٍ كاملٍ لإعادة تعريف دور العرب، ليس بوصفهم كتلةً انفعاليَّةً، وإنَّما بوصفهم فاعلًا مركزيًّا يمتلك القدرة على الرَّدع الإستراتيجيِّ، وعلى التأثير في هندسة التوازنات الدوليَّة. ومن هذه الزَّاوية، يمكن القول إنَّ الرياض لم تعد تتعامل مع واشنطن بوصفها القوَّة المهيمنة التي تفرض رُؤيتها، وإنَّما بوصفها شريكًا يُعاد التَّفاوض معه على قواعد اللُّعبة، ويُعاد تكييف مصالحه بما يخدم انتقال العرب من موقع ردِّ الفعل إلى موقع الإنتاجِ الجيوسياسيِّ.

كما أنَّ وصول العلاقة السعوديَّة الأمريكيَّة إلى هذا المستوى؛ يضع إسرائيل في زاوية إستراتيجيَّة خانقة؛ لأنَّ مبدأ 'التفوق المطلق' الذي اعتمدته لعقود، لم يعد مُتاحًا في ظل دول عربيَّة تتحوَّل تدريجيًّا من ساحات نفوذ إلى مراكز قرار. ولهذا لم يكن غريبًا أنْ تخرج التصريحات الإسرائيليَّة، مثل تعليق بتسلئيل سموتريتش، محمَّلةً بقدرٍ كبيرٍ من القلق؛ لأنَّ تل أبيب تدركُ أنَّ مجرَّد دخول الرياض إلى نادي القوَّة المتقدِّمة -عسكريًّا وسياسيًّاـ يُسقط واحدًا من أعمدة مبدأ الهيمنة، الذي حكم العلاقة بين العرب وإسرائيل لعقود.


وفي جوهر هذه التحوُّلات، تقف سوريا كجغرافيا محوريَّة، يُعاد ترميم دورها السياسيِّ، ليس بكونها دولةً خارجةً من حربٍ مريرة، وإنَّما بوصفها طرفًا أساسًا في إعادة تشكيل بنية الإقليم. فالسعوديَّة، التي لعبت دورًا رئيسًا في إدماج سوريا في النظام العربيِّ الجديد، تُدرك أنَّ بناء منظومة أمنٍ عربيٍّ لا يمكن أنْ يكتمل دون دمشق، وأنَّ أيَّ توازن عربيٍّ ـ أمريكيٍّ لا يمكن أنْ يستقر دون استعادة سوريا لموقعها الطبيعيِّ. ومن هنا تأتي القراءة الأعمق للمشهد، والتي تُظهِر أنَّ التحالف العربيَّ الذي يجري بناؤه اليوم لا يقوم على مواجهة أحد، وإنَّما على إعادة هندسة المنطقة؛ بما يضمن مصالح العرب أوَّلًا، ويُعيد رسم مسارات القوة الإقليميَّة بعيدًا عن الثنائيَّة القديمة التي حاصرت العالم العربيَّ بين واشنطن وتل أبيب.

إنَّ ما يجري حاليًّا في المنطقة، هو بمثابة قضم تدريجيٍّ، وهادئٍ، للمعادلة التي صاغتها إسرائيل منذ ١٩٦٧. والتي تقوم على التفوُّق العسكريِّ غير القابل للمساس، والولاية الأمنيَّة على المنطقة. أمَّا اليوم، فيبدو أنَّ الرياض تُقدِّم نموذجًا مغايرًا يتمثَّل في قوةٍ عربيَّةٍ مستقلَّةٍ، تقود التوازنات، ولا تُقاد بها، تُفاوض من موقع النديَّة، وتحوِّل أدوات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والدفاع إلى ركائز لبناء منظومة عربيَّة صاعدة، تتجاوز ردود الأفعال والانفعالات، وتشتغل على إنتاج معمارٍ أمنيٍّ جديدٍ يراعي مصالح العرب قبل أيِّ طرفٍ آخرَ.

من هذه الزَّاوية، فإنَّ زيارة الأمير محمد بن سلمان لم تكن حدثًا منفصلًا، بقدر كونها حلقةً في سلسلة انتقالات إستراتيجيَّة تؤشِّر إلى أنَّ العرب، بقيادة السعوديَّة، وبالتكاملٍ مع سوريا الصاعدة، لم يعودوا الحلقة الأضعف، ولا الطرف الذي تُعاد صياغة مصيره في عواصم الآخرِينَ. وإنَّما أصبحُوا شركاء في تشكيل التوازنات الجديدة، وفي إعادة بناء الشرق الأوسط على قواعد غير تلك التي حكمته طوال نصف قرن.

هذه إذًا، في النهاية، لحظةٌ عربيَّةٌ بامتياز.. تُعلن، لأوَّل مرَّة منذ عقود، أنَّ مركز الثقل يعود إلى العرب، وأنَّ القوَّة تُصاغ هذه المرَّة بأيديهم، وليس على حساب مصالحهم ومقتضيات مستقبلهم المقبل.

أخبار ذات صلة

المدارس وحفلات (التخرج)!
حين يمرض الجيب قبل الجسد!!
«اليونسكو».. وخطوة لبناء أنظمة تعليمية عربية
أرستقراطية مكة المكرمة
;
الجامعات السعودية وصناعة المستقبل
أُحب النوم
طموحنا عنان السماء في مونديال أمريكا
عندما يتحول الطموح.. إلى أرقام وإنجازات
;
مظاهر مقززة..!!
هاشم عبده هاشم بين الصحافة الأكاديمية والمهنية
طوارئ الملك فهد بالمدينة.. بين الأمس واليوم
الرياضة السعودية.. دبلوماسية ناعمة للتأثير العالمي
;
حين نقلق على أحبتنا.. تذكروا من يسهر عليهم
عثمان مدني.. رحلة مع الكشافة
زيف المشاهير.. ومصداقية مرايا «العظمة»
هل أنت نصف موجود..؟!