كتاب

من 2002 إلى 2050: آراء الخبراء حول مستقبل الصحافة

اطّلعتُ مؤخراً على تقرير نشرته مجلة Columbia Journalism Review بعنوان: «رؤى حول الصحافة عام 2050»، تضمَّن آراء نخبة من أبرز خبراء الإعلام الأمريكيين؛ حول الكيفية التي قد تبدو عليها الصحافة بعد ربع قرن، وذلك ضمن عدد خاص خصصته المجلة لاستشراف مستقبل المهنة.

وقد أعادني هذا السؤال المتجدد حول مستقبل الصحافة إلى طرح مماثل، تناولته في سياقين زمنيين مختلفين: الأول عام 2002، ضمن الطبعة الأولى من كتابي «الإعلام القديم والإعلام الجديد: هل الصحافة المطبوعة في طريقها للانقراض؟»، حيث خصَّصتُ قسماً كاملاً لرصد توقعات الخبراء. أما السياق الثاني فكان عام 2018، مع صدور الطبعة الثالثة من الكتاب، حين أعدتُ طرح السؤال ذاته على عدد من أولئك الخبراء؛ لاختبار الفجوة بين التوقعات آنذاك، وما آل إليه الواقع.


اليوم، ومع تقرير Columbia Journalism Review، تتوافر لدينا آراء تمتد عبر ثلاث مراحل زمنية: مرحلة 2002، مع بدايات انتشار الإنترنت وهيمنة الصحافة التقليدية؛ ومرحلة 2018، مع التراجع الواضح للصحافة الورقية وصعود الإعلام الرقمي ومنصات التواصل، ثم المرحلة الراهنة التي تتسم بتسارع الذكاء الاصطناعي وتأثيراته العميقة على صناعة الأخبار.

في عام 2002، انقسمت آراء الخبراء بوضوح، فريق رأى أن الصحافة المطبوعة دخلت مسار تراجع تاريخي لا يمكن إيقافه، بفعل الإنترنت وتغيُّر أنماط استهلاك الأخبار، وتفتت سوق الإعلان، متحدثين عن «موت بطيء» للصحافة الورقية. وفي المقابل، تمسّك فريق آخر برأي مختلف، معتبرين أن الصحافة المطبوعة تجاوزت تهديدات سابقة كالراديو والتلفزيون، مراهنين على قوة العلامة التجارية والثقة المتراكمة وحميمية الورق، وصولاً لاعتبار البعض الإنترنت مجرد ظاهرة وفقاعة مؤقتة.


لكن إعادة طرح السؤال في 2018 كشف تحوّلاً لافتاً، حيث تبدَّل خطاب كثير من مؤيدي الإعلام الورقي، واتفقوا على عمق الأزمة وتأثيراتها، والحاجة لنموذج اقتصادي قادر على مواجهتها؛ والتسليم بأن الإعلان لم يعد المنقذ، وأن التحول الرقمي لم يعد خياراً، بل شرطاً للبقاء.

هذه النتائج تتقاطع اليوم مع أطروحات أعمق لخبراء Columbia Journalism Review ، فـ «ليونارد داوني» و»مايكل شودسن» يربطان تراجع الصحافة بأزمة ديمقراطية، تهدد دور الرقابة والمساءلة، خصوصاً مع انهيار الصحافة المحلية. وترى «إميلي بيل» أن المشكلة لم تعد في المنصات، بل في فقدان الاستقلال أمام هيمنة شركات التقنية. أما «كلايتون كريستنسن» فيعزو الإخفاق إلى التمسك بنماذج قديمة؛ بدلاً من ابتكار صيغ جديدة.

وفي المحصلة، لم يعد نقاش مستقبل الصحافة حتى عام 2050 مُعلَّقاً بسؤال البقاء أو الزوال، بقدر ما يرتبط بقدرتها على إعادة التموضع داخل منظومة إعلامية أشمل تزداد تعقيداً. فالتجارب المتعاقبة منذ عام 2002 تكشف أن التحدي الأكبر الذي يُواجه صناعة الصحافة؛ لم يكن يوماً في التحولات التقنية ذاتها، بل في بطء الاستجابة للمتغيرات.. فالصحافة كمهنة لا تُقاس بوسيطها المُتبدِّل، إنما بوظيفتها في إنتاج المعرفة الموثوقة، وتفسير العالم، وكشف الأخطاء ومساءلتها. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في منافسة الخوارزميات أو مجاراة المنصات، بل في بناء صحافة متطورة، أكثر عمقاً واستقلالاً ووضوحاً في رسالتها.. صحافة تدرك أن التكنولوجيا مهما بلغت قوتها، تظل أداة لا غاية، وأن القيمة النهائية ستبقى في العقل التحريري، وشغف المهنة واحترام أخلاقياتها، والقدرة على تقديم محتوى أصيل وجيد وسط ضجيج متزايد من أشكال المحتوى التافه.. وبهذا الفهم وحده يمكن للصحافة أن تعبر إلى المستقبل، لا بوصفها إرثاً مهدداً، بل باعتبارها مهنة متجددة في عالم سريع التحول.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!