كتاب

أمير الماء

كنت أودّع الأمير محمد الفيصل، الابن الثاني للملك فيصل، ذات مساء، بعد حضور مجلسه وتناول العشاء معه. كان هادئًا باسمًا وهو يخبرني بأنه سيغيب أيامًا في الرياض لإجراء مراجعة طبية في مستشفى الملك فيصل التخصصي.
بدا القلق على وجهي، فنظر إليّ مطمئنًا، وأوضح ببساطة أنه أُصيب بالسرطان. ولما رأى ارتباكي وصدمتي، ضحك وهو يهدئ من روعي، مؤكدًا أن الأمر بسيط ويمكن التعايش معه، وأن إقامته في الرياض لن تطول، بإذن الله، وسيعود بعدها إلى جدة فأراه وأطمئن عليه.

كان هو المريض، لكنه كان يطمئنني!
لم ألتقِ في حياتي رجلًا عانى ما عاناه أبو عمرو من متاعب صحية متلاحقة؛ من عملية في العين اضطر بعدها إلى البقاء مستلقيًا دون حركة لأسابيع، إلى عملية في الساق إثر انزلاقه على الثلج في باريس، ونزيف داخلي نُوّم بسببه في المستشفى أسابيع، وكسر في الذراع، إلى غير ذلك من الحالات التي تعاقبت عليه، حتى انتهت رحلته مع المرض الخبيث.

ومع ذلك، ما سمعت منه شكوى، ولا لمست عنده تشاؤمًا، ولا شعرت في أي وقت بضيق أو تذمر. بل كان يروي ما تعرض له وكأنه حدث لشخص آخر؛ يهوّن من قلق محبيه، ويقلل من صعوبة حالته، ثم يجد طرفة يضحكنا بها، أو قصة يدهشنا بتفاصيلها، أو موضوعًا للنقاش يصرفنا به عن مرضه.
لم يكن يحب أن يثقل على الناس بهمّه، وهو الذي كان يحمل همومهم. وكان كثيرًا ما يردد: اللهم لا تردنا إلى أرذل العمر.
فما دام قادرًا على القيام بشؤونه بنفسه، من غير أن يكون عبئًا على أحد، فإنه يرى نفسه في نعمة من أعظم نعم الدنيا.
وفي الشهور الأخيرة من حياته، رحمه الله، نصحني بأن أتولى بنفسي ترجمة مذكراته التي صدرت في كتابي «الأمير محمد الفيصل يتذكر» إلى الإنجليزية، بعد أن شكوت له ضعف مستوى بعض من استعنت بهم.
قال لي: أنت أدرى بما أعنيه، وبما يهم القارئ الأجنبي منه؛ ولذلك ستنقل أفكاري، لا مجرد ترجمة حرفية لكلماتي.
ثم عقّب ضاحكًا: ما يحك جلدك مثل ظفرك.
أنجزت العمل كما وعدته، وأعددته في نسخة مطبوعة ومجلدة لأعرضها عليه. غير أن حالته في العناية المركزة خلال شهوره الأخيرة لم تتحسن بالقدر الذي يسمح لي بلقائه. اشتد عليه المرض، ولعله لم يشأ أن يراه محبوه على تلك الحال.
بقيت أنتظر الفرصة لأهديه نسخة الكتاب، حتى استرد الله أمانته، ولم تُتح لي تلك الفرصة.
كان «أمير الماء» قد أسهم في إنقاذ بلاده من العطش حين قاد مشروع تحلية المياه، وقدم دراسة علمية دولية عن إمكان الاستفادة من جبال الجليد في القطب الجنوبي. وكما سقى وطنه بالماء، فقد سقانا من تجربته ومعارفه وذكرياته، سواء في مجلسه أو خلال زياراتي له عقب وعكاته الصحية.
على السرير الأبيض أو في مجلسه، لم أكن أسمع منه إلا خيرًا، ولا أرى في وجهه إلا الابتسامة والرضا.
تعلمت منه أن التفاؤل ليس إنكارًا للألم، وأن الرضا لا يعني غياب المعاناة، وإنما هما طريقة المؤمن في استقبال ما لا يملك دفعه؛ بالصبر والدعاء والصدقة والبر، لا بالشكوى والتذمر والتأفف.
واليوم، حين أستعيد صورته وهو يطمئنني إلى مرضه بدلًا من أن أطمئنه، أدرك كم كان كبيرًا في احتماله، وكريمًا حتى في ألمه. كان يخشى على مشاعر محبيه أكثر مما يخشى على نفسه، ويحرص على ألا يترك في نفوسهم سوى الأمل.
رحم الله الأمير محمد الفيصل رحمة واسعة.
كم أشتاق إليه.
@kbatarfi

أخبار ذات صلة

الموظف الحكومي.. وجهان متناقضان!!
المنكوب..!!
النسخة الاستثنائية
المستفيد من العمل الخيري.. باذله
;
الحربي هو الحل
حين تتعلم الآلة التفكير.. ماذا يبقى للإنسان؟
التمكين.. شراكة المرأة مع الرجل (3)
كيف تؤمن السعودية حدودها واقتصادها وسط عواصف الإقليم؟
;
كيف تصنع أفكارنا وكلماتنا تفاصيل واقعنا؟
زين مشروعات الإسكان ما يكمل!!
(النفاق)
رسالة حب يستحي منها الزوج!!
;
من ينصف القسائم التعليمية.. وينظم فوضى ما بعد الجرس؟
كيف تغيّر مسارك وتعيد اكتشاف نفسك؟
نيبال بين الخطر والمخاطر
أي تخصص هندسي تختار؟