كتاب

المتيحيون الجدد!

* في الموروث الشعبي للجزيرة العربية، يبرز مثال شهير للشخصية المشاغبة الباحثة عن المشاكل، حيث يقال: (متيح مدوّر الطلايب)، أو (شرّاي الطلايب)، ومتيح هذا - بحسب الرواية الشعبية - رجلٌ قويّ الحجة والحيلة، عاش باحثاً عن المشاكل في كل مكان، لا لحلها، بل للصعود عليها والتربّح منها، حيث كان يشتري المشكلات التي يعجز عنها أهلها؛ بثمنٍ زهيد، سواء كانت ديوناً متعثرة، أو نزاعات إرث أو مزارع أو ماشية، ثم يتولى المطالبة بها، وغالباً ما كان يكسب هذه القضايا بفضل قوة بيانه وشخصيته المجادلة، ليخرج رابحاً من مشاكل غيره، فتحول إلى «مضرب مثل» لمن يبحث عن المشاكل ويشتريها بماله.

* لم يحظَ (متيح) في زمانه بتقدير الناس؛ على الرغم من ثروته المتنامية وشهرته الواسعة، بل كان شخصية مذمومة مكروهة، لأن أمواله تأتي بطرق غير أخلاقية، لكنه دخل التاريخ الشعبي كشخصية تحمل مزيجاً من الدهاء والتحايل والجشع و(اللقافة) طبعاً.


* اليوم، ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر (متيح) جديد، لكنه إلكتروني هذه المرة، ولم تعد (الطلايب) التي يعتاش عليها هي القضايا المالية القديمة والبسيطة، بل أصبح (المتيحيون الجدد) يمتهنون الاستفزاز، ويفتعلون مشكلات أكثر بذاءة على فضاءات الإنترنت، كالتعريض والقذف والتنابز، وتصيّد الهفوات أو حتى اختلاقها، بهدف جذب الانتباه، أو طمعاً في أن يُشتمون أو يُهانون، فيُسارعون بإقامة دعوى بائسة؛ يكسبون منها بعض الأموال أو الشهرة السلبية!.

* المفارقة أن شخصية (متيح القديم)؛ التي عُرفت بوصوليتها وجشعها، كانت تحتفظ - على الأقل - بشيء من الكرامة، فقد كان متيح الأول يسعى لتحقيق المال بدهائه وقوة حجته، دون أن يقبل الإهانة كجزء من الصفقة.. أما أحفاده الجدد؛ فهم على استعداد لإراقة ماء وجوههم ألف مرة، وعلى رؤوس الأشهاد، من أجل حفنة من المال القذر.


* الكارثة ليست في بذاءة (متيح) وشلته وحسب، بل كذلك في التبعات الاجتماعية والثقافية لهذه الظاهرة؛ التي تزدهر بشكل واضح في فضاءات الرياضة والفنون وعوالم مشاهير التواصل، فهي تعزز ثقافة: (الغاية تبرر الوسيلة)، و(اللي تغلب به العب به)، وتستهلك الوقت والجهد في نزاعات سطحية، على حساب القضايا الحقيقية، علاوة على تشويهها للقيم المجتمعية، حيث يُحتفى للأسف بمن يملك الجرأة على افتعال المشكلات وسلاطة اللسان، حتى ولو على حساب سمعته وسمعة أسرته.

* في زمن الجد (متيح) الأول، كان المجتمع يرى هذه الشخصية بعين النقص والازدراء، لكنه لم يكن يملك أدوات فعالة لمواجهتها، أما اليوم فمن المهم في مواجهة (متيح الإلكتروني) وأشباهه؛ التحليّ بالوعي وعدم الانجرار خلف الاستفزاز والمشكلات المفتعلة، فالتجاهل هو السلاح الذي يمكن أن يحول (متيح) إلى (شريم) ينفخ بلا برطم، حتى يملّ ويختفي من المشهد!.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة