كتاب
توصيل.. بلا تواصل!
تاريخ النشر: 29 يوليو 2025 22:39 KSA
لم تعد سيَّارات ودرَّاجات التوصيل مجرَّد مشهد عابر في شوارعنا؛ بل صارت رمزًا واضحًا لتحوُّلات اجتماعيَّة واقتصاديَّة عميقة، تلك الدرَّاجات ذات الصناديق الصفراء، التي تجوب شوارعنا ليل نهار، تشهد على حكاية مجتمعات تغيَّرت عاداتها، وتبدَّلت أولوياتها، واستغنت عن معظم الروابط الأسريَّة، بعد أنْ أصبح الطعام مجرَّد (عادة استهلاكيَّة) لا يفصل بينك وبينه سوى «زر الطلب» في جوالك.
حتى وقت قريب، كانت السُفرة هي مكان اجتماع العائلة، ورمز الحميميَّة والدفء، ومقر نقاشاتها اليومي، لكن مع تزايد عروض إيصال الطعام، فَقَدَ هذا المكان قيمته؛ بل ربما يتحوَّل (المطبخ) نفسه؛ في المستقبل القريب إلى غرفة ألعاب، أو مستودع مهمل، أو مجرَّد زاوية لتحضير القهوة في أحسن الأحوال!.
قبل أيام، رأيتُ شابًّا في العشرين أمام (كافتيريا) صغيرة في أحد الأحياء، كان الشاب جالسًا في سيارته، يُحدِّق في هاتفه ببرودٍ تام، بينما العامل يذهب ويعود ليسأله عن نوع وخصائص الساندويتش الذي يريده، حتى حين حان وقت الدفع، لم يكلِّف نفسه عناء النزول، بل ناوله العامل الجهاز من نافذة السيَّارة، ليمرِّر جواله؛ ويعود بسرعة لمواصلة المشاهدة!.
المشهد ربما يكون مكرورًا وشائعًا بين الشباب كما يقول عامل الكافتيريا، لكنَّه يدفع لسؤال عريض: مَن علَّم شابًّا كهذا الكسل؟ ومَن أقنع جيلًا كاملًا أنَّ كل شيء يجب أنْ يأتي إليهم دون تعب، ودون انتظار، ودون أبسط تواصل إنساني مع الآخرين؟ هذه الظاهرة أبعد من مجرَّد رفاهية، إنَّها انعكاس لثقافة «الفردانيَّة» التي غزت مجتمعنا وبيوتنا، وجعلتنا نرى إعداد الطعام في المنزل مهمَّة ثقيلة، والجلوس مع العائلة مهمَّة يمكن تأجيلها، أو الاستغناء عنها نهائيًّا!.
سأقفز على النواحي الصحيَّة -رغم أهميتها- لعلم الجميع بها، وسأنتقل للناحية الاقتصاديَّة، فربما ساهمت ظاهرة التوصيل في خلق فرص عمل جديدة، ونشاط ضخم لشركات الأطعمة والتطبيقات، لكنَّها في المقابل، ساهمت في ترسيخ عادات استهلاكيَّة غير جيدة، وشجَّعت على الإنفاق العشوائي، وتراجع مهارات الاعتماد على الذات.. أمَّا اجتماعيًّا، فقد عمَّقت التباعد بين أفراد الأسرة، بعد أنْ أصبح كل فرد يختار طلبه الخاص، في وقته الخاص، ويأكل في ركنه الخاص!.
إنَّ الأسئلة الصعبة التي تطرحها الظاهرة تحتاج إلى دراسة متعمِّقة من الجهات البحثيَّة المختصَّة: هل نعيش فعلًا رفاهيَّة حقيقيَّة، أم أنَّها عزلة وتباعد مقنَّع؟ وهل تحرَّرنا من أعباء إعداد الطعام في المنزل، أم خسرنا تفاصيل عائليَّة مهمَّة كانت تربطنا ببعض؟ وما مصير الوجبات العائليَّة والعلاقات الأسريَّة التي بُنيت حولها؟.
نحن لا نُدين التوصيل، ولا نطالب بالعودة إلى الماضي، بل نتساءل فقط: هل نحن مَن نستهلك الراحة.. أم أنَّها تستهلكنا؟ فبين (الدرَّاجات) والطلبات المتراكمة، هناك طعام صحي مهجور، وعلاقات إنسانيَّة تفقد مذاقها شيئًا فشيئًا.. ويأتي السؤال الأخير: ماذا بقي لنا من دفء الأسرة، إذا فقدنا لذة الاجتماع، وبركة الطعام المشترك، والنقاشات الأسرية الحميمة؟!.
حتى وقت قريب، كانت السُفرة هي مكان اجتماع العائلة، ورمز الحميميَّة والدفء، ومقر نقاشاتها اليومي، لكن مع تزايد عروض إيصال الطعام، فَقَدَ هذا المكان قيمته؛ بل ربما يتحوَّل (المطبخ) نفسه؛ في المستقبل القريب إلى غرفة ألعاب، أو مستودع مهمل، أو مجرَّد زاوية لتحضير القهوة في أحسن الأحوال!.
قبل أيام، رأيتُ شابًّا في العشرين أمام (كافتيريا) صغيرة في أحد الأحياء، كان الشاب جالسًا في سيارته، يُحدِّق في هاتفه ببرودٍ تام، بينما العامل يذهب ويعود ليسأله عن نوع وخصائص الساندويتش الذي يريده، حتى حين حان وقت الدفع، لم يكلِّف نفسه عناء النزول، بل ناوله العامل الجهاز من نافذة السيَّارة، ليمرِّر جواله؛ ويعود بسرعة لمواصلة المشاهدة!.
المشهد ربما يكون مكرورًا وشائعًا بين الشباب كما يقول عامل الكافتيريا، لكنَّه يدفع لسؤال عريض: مَن علَّم شابًّا كهذا الكسل؟ ومَن أقنع جيلًا كاملًا أنَّ كل شيء يجب أنْ يأتي إليهم دون تعب، ودون انتظار، ودون أبسط تواصل إنساني مع الآخرين؟ هذه الظاهرة أبعد من مجرَّد رفاهية، إنَّها انعكاس لثقافة «الفردانيَّة» التي غزت مجتمعنا وبيوتنا، وجعلتنا نرى إعداد الطعام في المنزل مهمَّة ثقيلة، والجلوس مع العائلة مهمَّة يمكن تأجيلها، أو الاستغناء عنها نهائيًّا!.
سأقفز على النواحي الصحيَّة -رغم أهميتها- لعلم الجميع بها، وسأنتقل للناحية الاقتصاديَّة، فربما ساهمت ظاهرة التوصيل في خلق فرص عمل جديدة، ونشاط ضخم لشركات الأطعمة والتطبيقات، لكنَّها في المقابل، ساهمت في ترسيخ عادات استهلاكيَّة غير جيدة، وشجَّعت على الإنفاق العشوائي، وتراجع مهارات الاعتماد على الذات.. أمَّا اجتماعيًّا، فقد عمَّقت التباعد بين أفراد الأسرة، بعد أنْ أصبح كل فرد يختار طلبه الخاص، في وقته الخاص، ويأكل في ركنه الخاص!.
إنَّ الأسئلة الصعبة التي تطرحها الظاهرة تحتاج إلى دراسة متعمِّقة من الجهات البحثيَّة المختصَّة: هل نعيش فعلًا رفاهيَّة حقيقيَّة، أم أنَّها عزلة وتباعد مقنَّع؟ وهل تحرَّرنا من أعباء إعداد الطعام في المنزل، أم خسرنا تفاصيل عائليَّة مهمَّة كانت تربطنا ببعض؟ وما مصير الوجبات العائليَّة والعلاقات الأسريَّة التي بُنيت حولها؟.
نحن لا نُدين التوصيل، ولا نطالب بالعودة إلى الماضي، بل نتساءل فقط: هل نحن مَن نستهلك الراحة.. أم أنَّها تستهلكنا؟ فبين (الدرَّاجات) والطلبات المتراكمة، هناك طعام صحي مهجور، وعلاقات إنسانيَّة تفقد مذاقها شيئًا فشيئًا.. ويأتي السؤال الأخير: ماذا بقي لنا من دفء الأسرة، إذا فقدنا لذة الاجتماع، وبركة الطعام المشترك، والنقاشات الأسرية الحميمة؟!.