كتاب

كيف نحول المشاهير.. إلى طاقات إيجابية؟

حين أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام -قبل أسابيع- ضوابطها الجديدة المنظِّمة للظهور على المنصَّات الرقميَّة، بدا المشهد مختلفًا هذه المرَّة.. فبدلًا من موجات الجدل المعتادة، جاء التفاعل إيجابيًّا وسريعًا على نحو لافت.. الجميع رحَّب بالقرار، بما في ذلك فئة (المشاهير)، أو المؤثِّرين، الذين أبدوا استعدادًا فوريًّا للالتزام، وكأنَّ الجميع كان ينتظر لحظة التوازن التي تضع حدًّا للفوضى، وتفتح بابًا جديدًا للمسؤوليَّة.

هذا الانضباط السريع يؤكِّد أنَّ هؤلاء المشاهير ليسوا دائمًا عبئًا على المجتمعات، بل هم طاقة ضخمة يمكن توجيهها نحو الخير والمصلحة العامَّة.. فمعظمهم يمتلك شعبيَّةً واسعةً، وتأثيرًا فوريًّا، ولغةً قريبةً من النَّاس، وهي عناصر لا تتوافر -غالبًا- في أدوات الإعلام التقليديِّ. وقد أثبتت التجربة أنَّهم قادرون على تحريك الرأي العام في ساعات، سواء في قضايا إنسانيَّة، أو حملات وطنيَّة، حين يتم توجيههم في المسار الصحيح.. إنَّهم باختصار «قوة ناعمة»، أو قل -إنْ شئت-: «قوة سحريَّة» يمكنها أنْ تزرع الوعي، كما يمكنها أنْ تزرع الفوضى، والفرق بين الحالتين لا يتجاوز ضبط الاتجاه.


في عام 2023، تعاونت الحكومة الإندونيسيَّة مع اليونيسيف؛ لاستقطاب عدد من المشاهير المحليِّين لنشر رسائل توعويَّة حول حقوق الأطفال، ووصلت الحملة إلى أكثر من 20 مليون شخص، وحقَّقت ارتفاعًا ملموسًا في الوعي العام.. وتجربة مشابهة نفَّذتها اليونيسيف، ومنظَّمة الصحَّة العالميَّة أثناء جائحة كورونا، حين استعانتا بالمؤثِّرين لنشر التوجيهات الصحيَّة، فتمكَّنوا خلال أربعة أسابيع فقط من الوصول لأكثر من مليون أسرة حول العالم، في نموذجٍ عالميٍّ يثبت أنَّ الشهرة حين تُوجَّه بوعيٍ؛ تصبح أداةَ بناءٍ لا أداة تسطيح.

من هنا تأتي أهميَّة الضوابط الأخيرة التي أطلقتها الهيئة، فهي لا تستهدف تقييد الحريَّة أبدًا، بل ترمي لتنقيتها وتحريرها من الابتذال والسطحيَّة، والتأكيد على أنَّ الكلمة مسؤوليَّة، وأنَّ الشهرة لا تعني تحدِّي الأخلاق أو القيم، والترويج للمحتوى المخلِّ، بل هي إجراءات تصون الذَّوق العام، وتحفظ الثقة بين الجمهور ومَن يظهر أمامه.


ولكن لأنَّ التنظيم وحده لا يكفي.. فلا بُدَّ من تكاتف جميع الجهات الرسميَّة والمجتمعيَّة لتحويل هذه الطاقات البشريَّة إلى منصَّات إيجابيَّة لخدمة الوطن والإنسان؛ من خلال تشجيعهم على المشاركة في الحملات الوطنيَّة والتوعويَّة، بصناعة جوائز قيِّمة للمحتوى الهادف.. وإنشاء «ميثاق شرف رقمي» يرسِّخ معايير الاحتراف والاحترام.

المؤثِّرون ليسوا خطرًا خالصًا، بل ثروة مهمَّة يمكن استغلالها.. والمشهد لا يزال بحاجة للمزيد من الضبط والتوجيه الصحيح؛ ليعكس حقيقة القيم السعوديَّة، والتحوُّل الذي تعيشه المملكة اليوم، حيث يرحل زمن الفوضى، ويبدأ زمن المسؤوليَّة الواعية.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة