كتاب
المدير الجغرافي!
تاريخ النشر: 06 يناير 2026 23:12 KSA
نعيش اليوم «نقلة نوعيَّة» في المفاهيم الإداريَّة؛ فمصطلحات مثل (الحوكمة، مؤشرات الأداء، الشفافية، الكفاءة) باتت تتردَّد في كل إدارة؛ ولكن.. وسط هذه المصطلحات الإيجابيَّة، لا يزال يختبئ في بعض الزوايا المظلمة نوع من المديرين الذين يعيشُون خارج الزمن، ويُسيطرُون على مكاتبهم بعقليَّة (جغرافيَّة) مقيتة، لا تعترف بالكفاءة ولا بالإنجاز، بل تعترف بمعيارٍ واحد فقط، هو المنطقة و(خطوط الطول والعرض)!.
«المدير الجغرافي»، أو «المناطقي» كارثة تمشي على قدمَين، فهو يتعامل مع سلطات منصبه -التي يجب أنْ تصب في مصلحة عموم الوطن- وكأنَّها «مضافة» خاصَّة، أو «خيمة» ورث عمودها عن أجداده، فلا يفتح بابها، ولا يمنح صدر مجلسها إلَّا لمَن يحمل نفس «الحمض النوويِّ»، أو ينتمي لنفس التضاريس الجغرافية التي جاء منها!. هذا النوع من المسؤولين يرتدي «نظارة عنصريَّة» سميكة، تحجب عنه رُؤية المبدعِين والمجتهدِين إذا لم تكن ألقابهم تنتهي باللاحقة المناسبة بالنسبة له، ولا يهتم في السِّيرة الذَّاتية (CV) لا للخبرات، ولا المهارات، بل يتتبع «شجرة العائلة»، والتأكد من «نقاوة الأصل» وفق مقاييسه الضيقة!.
خطورة هذا النموذج لا تتوقف عند «الظلم» الذي يوقعه بالضرورة على الكفاءات المستحقَّة، بل تتعدَّى إلى الجناية التي يرتكبها في حقِّ المؤسسة، فعندما يحول إدارته إلى «بوفيه» مغلق على أبناء جلدته، وتتحوَّل المكاتب إلى ملتقيات للتعارف وصلة الرحم، بدلاً من العمل والإنجاز، تسقط هنا هيبة النظام، وتموت روح المنافسة، ويتحوَّل الموظَّفون الآخرُون إلى مجرَّد «غرباء»، أو «كومبارس» في مسرحية بطلها ومخرجها وجمهورها هم (ربعه) وأبناء منطقته!.
هذا السلوك الإقصائي لا ينبع من قوة أو «طناخة» كما يتوهَّم البعض، بل هو ستار يخفي شعورًا عميقًا بضعف الثقة بالنفس؛ فهو يدرك في قرارة نفسه ضعف إمكاناته، لذا يخشى الكفاءات المستقلة؛ التي قد تكشف عجزه، فيلجأ للاحتماء بـ (شلته)، ليُشكِّلوا حوله «درعًا بشريًّا» على طريقة (عيال الحارة)، ويضمن بهم الولاء المطلق، فهم أيضًا يدينون بالفضل لـ(شخصه) لا لقدراتهم!.. أو قد يكون دافعه (جهلًا إداريًّا) جعله يخلط بين «الإدارة» و»المشيخة»، فيعتقد واهمًا أنَّ كسب الوجاهة الاجتماعيَّة في محيطه الجغرافي، وتلميع صورته كـ(صاحب فزعات) أهم من مصلحة العمل العام، غافلًا عن حقيقة أنَّ المدير الناجح هو مَن يصنع قادة، لا من يجمع أتباعًا!.
هذا التشوُّه النفسي يُعرف في علم النَّفس الاجتماعيِّ بـ (الانحياز للجماعة)، أو In-group bias؛ حيث يؤكِّد العالِم (هنري تاجفيل) أنَّ الأفراد القلقِين يميلُون غريزيًّا لتفضيل أعضاء مجموعتهم (القبيلة أو المنطقة)، ومنحهم مزايا غير مستحقَّة، ليس حبًّا فيهم بالضرورة، بل لتعزيز شعورهم الزَّائف بالأمان والقوَّة داخل المجموعة، على حساب مصلحة العمل الكبرى.
«الفزعة» قيمة اجتماعيَّة نبيلة، ونوع من الشهامة التي تميِّز العربيَّ، لكنَّها حين تقفز فوق (العدل) ومعايير النزاهة الوظيفيَّة، لتمنح الحقوق بنظام (الإقطاع الوظيفيِّ) فإنَّها تتحوَّل إلى «فساد» ينخر عظام التنمية، فالأوطان الطموحة، تراهن على «عقول» أبنائها لا على «أنسابهم»، وتبحث عن «الجدارة»، سواء جاءت من أقصى الشمال أو من عمق الجنوب.
لعلَّك توافقني -عزيزي القارئ- أنَّنا بحاجة إلى المزيد من الضوابط الإداريَّة الصَّارمة في ترشيح القيادات، ضوابط لا تكتفي بمراجعة الأوراق والشهادات، بل تفحص «العقليَّات»؛ لتضمن أنَّ من يجلس على الكرسيِّ؛ يدرك أنَّ «العدالة» هي أساس الإدارة، وأنَّ الكفاءة هي الهويَّة الوحيدة المعتمدة داخل أروقة العمل، وأنَّ الوطن هو «القبيلة الكُبرى» التي يجب أنْ تذوب تحت خيمتها كل الانتماءات الضيِّقة.
أمَّا مَن يُوزِّع المناصب والترقيات بناءً على «الخريطة»، فنقول له: مكانك ليس في «إدارة المؤسسات»، بل في إدارة ديوانيَّة قبيلتك!.
«المدير الجغرافي»، أو «المناطقي» كارثة تمشي على قدمَين، فهو يتعامل مع سلطات منصبه -التي يجب أنْ تصب في مصلحة عموم الوطن- وكأنَّها «مضافة» خاصَّة، أو «خيمة» ورث عمودها عن أجداده، فلا يفتح بابها، ولا يمنح صدر مجلسها إلَّا لمَن يحمل نفس «الحمض النوويِّ»، أو ينتمي لنفس التضاريس الجغرافية التي جاء منها!. هذا النوع من المسؤولين يرتدي «نظارة عنصريَّة» سميكة، تحجب عنه رُؤية المبدعِين والمجتهدِين إذا لم تكن ألقابهم تنتهي باللاحقة المناسبة بالنسبة له، ولا يهتم في السِّيرة الذَّاتية (CV) لا للخبرات، ولا المهارات، بل يتتبع «شجرة العائلة»، والتأكد من «نقاوة الأصل» وفق مقاييسه الضيقة!.
خطورة هذا النموذج لا تتوقف عند «الظلم» الذي يوقعه بالضرورة على الكفاءات المستحقَّة، بل تتعدَّى إلى الجناية التي يرتكبها في حقِّ المؤسسة، فعندما يحول إدارته إلى «بوفيه» مغلق على أبناء جلدته، وتتحوَّل المكاتب إلى ملتقيات للتعارف وصلة الرحم، بدلاً من العمل والإنجاز، تسقط هنا هيبة النظام، وتموت روح المنافسة، ويتحوَّل الموظَّفون الآخرُون إلى مجرَّد «غرباء»، أو «كومبارس» في مسرحية بطلها ومخرجها وجمهورها هم (ربعه) وأبناء منطقته!.
هذا السلوك الإقصائي لا ينبع من قوة أو «طناخة» كما يتوهَّم البعض، بل هو ستار يخفي شعورًا عميقًا بضعف الثقة بالنفس؛ فهو يدرك في قرارة نفسه ضعف إمكاناته، لذا يخشى الكفاءات المستقلة؛ التي قد تكشف عجزه، فيلجأ للاحتماء بـ (شلته)، ليُشكِّلوا حوله «درعًا بشريًّا» على طريقة (عيال الحارة)، ويضمن بهم الولاء المطلق، فهم أيضًا يدينون بالفضل لـ(شخصه) لا لقدراتهم!.. أو قد يكون دافعه (جهلًا إداريًّا) جعله يخلط بين «الإدارة» و»المشيخة»، فيعتقد واهمًا أنَّ كسب الوجاهة الاجتماعيَّة في محيطه الجغرافي، وتلميع صورته كـ(صاحب فزعات) أهم من مصلحة العمل العام، غافلًا عن حقيقة أنَّ المدير الناجح هو مَن يصنع قادة، لا من يجمع أتباعًا!.
هذا التشوُّه النفسي يُعرف في علم النَّفس الاجتماعيِّ بـ (الانحياز للجماعة)، أو In-group bias؛ حيث يؤكِّد العالِم (هنري تاجفيل) أنَّ الأفراد القلقِين يميلُون غريزيًّا لتفضيل أعضاء مجموعتهم (القبيلة أو المنطقة)، ومنحهم مزايا غير مستحقَّة، ليس حبًّا فيهم بالضرورة، بل لتعزيز شعورهم الزَّائف بالأمان والقوَّة داخل المجموعة، على حساب مصلحة العمل الكبرى.
«الفزعة» قيمة اجتماعيَّة نبيلة، ونوع من الشهامة التي تميِّز العربيَّ، لكنَّها حين تقفز فوق (العدل) ومعايير النزاهة الوظيفيَّة، لتمنح الحقوق بنظام (الإقطاع الوظيفيِّ) فإنَّها تتحوَّل إلى «فساد» ينخر عظام التنمية، فالأوطان الطموحة، تراهن على «عقول» أبنائها لا على «أنسابهم»، وتبحث عن «الجدارة»، سواء جاءت من أقصى الشمال أو من عمق الجنوب.
لعلَّك توافقني -عزيزي القارئ- أنَّنا بحاجة إلى المزيد من الضوابط الإداريَّة الصَّارمة في ترشيح القيادات، ضوابط لا تكتفي بمراجعة الأوراق والشهادات، بل تفحص «العقليَّات»؛ لتضمن أنَّ من يجلس على الكرسيِّ؛ يدرك أنَّ «العدالة» هي أساس الإدارة، وأنَّ الكفاءة هي الهويَّة الوحيدة المعتمدة داخل أروقة العمل، وأنَّ الوطن هو «القبيلة الكُبرى» التي يجب أنْ تذوب تحت خيمتها كل الانتماءات الضيِّقة.
أمَّا مَن يُوزِّع المناصب والترقيات بناءً على «الخريطة»، فنقول له: مكانك ليس في «إدارة المؤسسات»، بل في إدارة ديوانيَّة قبيلتك!.