كتاب
النزاهة.. لا تعني الانتحار!
تاريخ النشر: 10 فبراير 2026 23:29 KSA
رسالة ملتهبة وصلتني من موظَّف كريم، يبدو أنَّه على وشك «الاحتراق الوظيفي» -إنْ لم يكن قد احترق فعلًا- بسبب مدير حوَّل بيئة العمل إلى «جحيم لا يُطاق»، كما يقول المرسل الذي يُفكِّر بالاستقالة بسببه.. ويضيف بمرارة: لم أعد أحتمل مشاهد النِّفاق والتَّسلق التي غرسها، ولا أطيق أصحاب (الأخلاق البلاستيكيَّة) من حوله.. لقد غيَّروا مفاهيم الأخلاق كلها؛ فيسمُّون (النِّفاق) ذكاءً اجتماعيًّا، و(التَّسلُّق) طموحًا، و(بيع المواقف) مرونة!. أكبر جريمة يرتكبها بعض (المديرين القساة)؛ أنَّهم يُحوِّلون (الموظَّف النَّزيه) إلى (ثائر منبوذ)، لمجرَّد أنَّه (صلب) في مبادئه ولا يخضع له.. وبالمقابل فإنَّ مشكلة هؤلاء (الثَّائرين)؛ ليست في عدم كفاءتهم، ولا في مبادئهم وأخلاقيَّاتهم نفسها.. كل المشكلة في (تصلُّبهم) أحيانًا وعدم مرونتهم؛ فتجدهم حادِّين جدًّا، وعلى استعداد دائم للصِدام، وهذا ما يجعلهم في نظر أصحاب الأخلاق «المطاطة والهلاميَّة» أغبياء اجتماعيًّا، أو خصومًا منبوذين يتحاشاهم الجميع!.
(النزاهة) لا تتطلَّب بالضرورة «الانتحار الوظيفي»، أو العزلة؛ ففي دراسات علم النفس التنظيميِّ، وتحديدًا أبحاث البروفيسور (جيرالد فيريس) من جامعة فلوريدا، نجد مفهومًا مذهلًا يُسمَّى «المهارة السياسيَّة الإيجابيَّة»، (Positive Political Skill) يميّز فيه بين نوعين من البشر في البيئات المسمومة:
«الانتهازي» الذي يستخدم ذكاءه للتلاعب، و»النزيه الذكي»، الذي يستخدم ذكاءه لحماية نفسه، وتمرير أجندته النظيفة؛ دون أنْ يتلوَّث أو يتصادم..
ومشكلة البعض أنَّه يظنُّ أنَّ «اللطافة الاجتماعيَّة» نفاق، بينما هي في الحقيقة «درع واقٍ»، حيث يرى عَالِم النِّفس الآخر (آدم جرانت) أنَّ أكثر النَّاس نجاحًا ليسوا «الانتهازيِّين» كما نتوَّهم، بل هم «المعطون الأذكياء»؛ الذين يتمسَّكُون بمبادئهم، لكنَّهم لا يسمحُون للآخرين باستغلالهم أو عزلهم.. فلكي ينجو الشَّريف من «مستنقع الانتهازيَّة» دون أنْ يغرق فيه، ودون أنْ يشرب منه، عليه اتِّباع إستراتيجيَّة «المرونة الواعية»، والتي تتلخَّص في ثلاث قواعد رئيسة:
- أوَّلًا: «اختر معاركك»؛ فليس كلُّ خطأ يستوجب إشهار سيفك، ولا كلُّ زلَّةٍ تستدعي حربًا داحسيَّةً.. تغافل عن الصغائر؛ لتدَّخر طاقتك للمعارك الكُبرى التي تمسُّ الشَّرف والأمانة.
- ثانيًا: «كوِّن تحالفات الشرفاء»؛ فالذئب لا يأكل من الغنم إلَّا القاصية.. والعزلة هي مقبرة النَّزيه، ابحث عن أمثالك، لتُشكِّلُوا تيَّارًا يفرض احترامه بمهنيَّة لا بصراخ.
- ثالثًا: «غلِّف الحقائق المُرَّة بالسكر»؛ فالصدق دواء مر، وتقديمه بفظاظة يجعله «سُمًّا» يرفضه الجميع.. والنزيه الذكي هو مَن يُغلِّف رسالته القويَّة بغلاف من اللُّطف الدبلوماسيِّ، فيحرج خصمه بالأدب قبل الحجَّة.
أنْ تكون نظيفًا في بيئة ملوَّثة هو بطولة ولا شكَّ، لكن البطولة الأكبر هي أنْ تخرج من المستنقع وثوبك أبيض.. وتذكَّر أنَّ النجاح الأكبر في الحياة، هو أنْ تحصل على ما تستحق دون أنْ تتنازل، أو تتملَّق، أو تكون صوتًا للباطل.
(النزاهة) لا تتطلَّب بالضرورة «الانتحار الوظيفي»، أو العزلة؛ ففي دراسات علم النفس التنظيميِّ، وتحديدًا أبحاث البروفيسور (جيرالد فيريس) من جامعة فلوريدا، نجد مفهومًا مذهلًا يُسمَّى «المهارة السياسيَّة الإيجابيَّة»، (Positive Political Skill) يميّز فيه بين نوعين من البشر في البيئات المسمومة:
«الانتهازي» الذي يستخدم ذكاءه للتلاعب، و»النزيه الذكي»، الذي يستخدم ذكاءه لحماية نفسه، وتمرير أجندته النظيفة؛ دون أنْ يتلوَّث أو يتصادم..
ومشكلة البعض أنَّه يظنُّ أنَّ «اللطافة الاجتماعيَّة» نفاق، بينما هي في الحقيقة «درع واقٍ»، حيث يرى عَالِم النِّفس الآخر (آدم جرانت) أنَّ أكثر النَّاس نجاحًا ليسوا «الانتهازيِّين» كما نتوَّهم، بل هم «المعطون الأذكياء»؛ الذين يتمسَّكُون بمبادئهم، لكنَّهم لا يسمحُون للآخرين باستغلالهم أو عزلهم.. فلكي ينجو الشَّريف من «مستنقع الانتهازيَّة» دون أنْ يغرق فيه، ودون أنْ يشرب منه، عليه اتِّباع إستراتيجيَّة «المرونة الواعية»، والتي تتلخَّص في ثلاث قواعد رئيسة:
- أوَّلًا: «اختر معاركك»؛ فليس كلُّ خطأ يستوجب إشهار سيفك، ولا كلُّ زلَّةٍ تستدعي حربًا داحسيَّةً.. تغافل عن الصغائر؛ لتدَّخر طاقتك للمعارك الكُبرى التي تمسُّ الشَّرف والأمانة.
- ثانيًا: «كوِّن تحالفات الشرفاء»؛ فالذئب لا يأكل من الغنم إلَّا القاصية.. والعزلة هي مقبرة النَّزيه، ابحث عن أمثالك، لتُشكِّلُوا تيَّارًا يفرض احترامه بمهنيَّة لا بصراخ.
- ثالثًا: «غلِّف الحقائق المُرَّة بالسكر»؛ فالصدق دواء مر، وتقديمه بفظاظة يجعله «سُمًّا» يرفضه الجميع.. والنزيه الذكي هو مَن يُغلِّف رسالته القويَّة بغلاف من اللُّطف الدبلوماسيِّ، فيحرج خصمه بالأدب قبل الحجَّة.
أنْ تكون نظيفًا في بيئة ملوَّثة هو بطولة ولا شكَّ، لكن البطولة الأكبر هي أنْ تخرج من المستنقع وثوبك أبيض.. وتذكَّر أنَّ النجاح الأكبر في الحياة، هو أنْ تحصل على ما تستحق دون أنْ تتنازل، أو تتملَّق، أو تكون صوتًا للباطل.