كتاب

مديرون من ورق!

في بعض المؤسَّسات، لا يُقَاس النَّجاح بما أُنجز من المهام والأهداف، بل بعدد التَّقارير التي يعملها الموظَّفُون أنفسهم.. ولا تُقَاس جودة العمل برضا المستفيد، بل بالإحصاءات والأرقام التي تصل لمكتب المدير من فريق عمله.

لا تعجب، ففي هذه (المنظَّمات الورقيَّة)، لا يعمل الموظَّفُون بشكلٍ حقيقيٍّ، بل يقضُونَ يومهم في إثبات أنَّهم يعملُونَ!.


لستُ ضد الأرقام والتقارير الصَّادقة، فهي أداة مهمَّة لإثبات العمل وتوثيق الإنجازات، لكنَّني ضد أنٍْ تصبح هدفًا بحدِّ ذاتِها، وأنْ تنشغل بها المؤسَّسة عن أهدافها الكُبْرى.. فهذا يعني تحوُّل الوسيلة إلى غايةٍ، والإنجاز إلى مجرَّد رقم يُعرَض، لا أثرَ يُلمَس.

(المدير الورقي) هو نتاج هذا الفكر الخاطئ؛ فتجده يتخفَّى خلف قناع الجودة الوهميَّة، ويسقط في «فخ البريق البصريِّ»؛ حيث يُغرق فريق عمله في تنسيق تقارير تخطف الأبصار، بصور ملوَّنة وتصاميم احترافيَّة، تُظهر الأنشطة العادية وكأنَّها إنجازاتٌ تاريخيَّةٌ.. إنَّها «سيكولوجيَّة الهروب للأمام»، من خلال صناعة أوراق جذَّابة، تغطِّي تواضع الواقع، وتُرضي الإدارات العُليا التي لا تملك الوقت لزيارة الميدان.


الكارثة حين تتحوَّل هذه الممارسات الخادعة إلى سلوك مؤسَّسيٍّ أساسٍ، حيث يصبح (الاحتراف الورقي) معيارًا للاتقان، والمصيبة الأكبر عندما تكافئه الإداراتُ الأعلى على هذا الأساس، وكأنَّها تمنح الجائزة لخللٍ عميقٍ، وتعيد إنتاجه على نطاقٍ أوسعَ.. هنا تتجاوز المشكلة الأشخاص، لتشوِّه المعايير نفسها، فتجعل من الخطأ إنجازًا، ومن الفراغ رقمًا، ومن الصُّور دليلًا زائفًا على النَّجاح.. رغم أنَّ أبسط الحقائق تقول: إنَّ الإتقان يُبنَى على الواقع، ولا يُقَاس بما يُكتب، بل بما يتحقَّق على الأرض.

في مثل هذه (البيئات الورقيَّة)، ليس غريبًا أنْ يموت الدَّافع لدى العاملِينَ المخلصِينَ بعد أنْ يتآكل حماسهم تدريجيًّا، وتفقد أفكارهم بريقَها، ولا يبقى في الميدان إلَّا نوعان من العاملِينَ، منفِّذ صامت يؤدِّي ما يُطلَب منه دون أيِّ ابتكار أو إبداع، أو منسحب ذهنيًّا حاضر بجسده فقط.. وهنا يقع المديرُ في وهمِهِ الأكبر، إذ يظنُّ أنَّ مؤسَّسته منضبطة، بينما الحقيقة أنَّه أمام انضباط شكليٍّ وإبداع منزوع الرُّوح، حيث تبدو الأمور مرتبةً على السطح، لكنَّها فارغة في العمق.

الإنجاز الحقيقي لا يُقَاس بعدد التَّواقيع، ولا بعدد الإشادات المفصولة عن الواقع، بل بشهادة المستفيدِينَ الذين خدمتهم المؤسَّسة، وبعدد العقول التي شاركت في صناعة هذه الشِّهادات، وشعرت أنَّها تملك ما تصنع.

كلَّما كبر اسم (المدير الورقيِّ) في التقارير، صغر دوره في الواقع، إلى أنْ يتحوَّل من قائد منجزٍ، إلى مجرَّد مدقِّق خطابات وتقارير، يطارد الصُّور الهامشيَّة، ويغفل الصُّورة الكُبْرى لمنظَّمته.. والأدهى أنَّ نجاح هذا النَّوع من الإدارات كارثيٌّ، فهو يحرِّض على نشر ثقافة تكافئ مَن يكتب عن النَّجاح، لا مَن يصنعه على أرض الواقع.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة