كتاب
هل انتهت حقبة التضامن العربي؟!
تاريخ النشر: 07 أبريل 2026 22:07 KSA
من أبرز تداعيات زلزال غزو صدام حسين للكويت في العام 1990؛ أنه وضع حدًا لحقبة زمنية عاشتها المنطقة العربية تحت مسمى «التضامن العربي»؛ بعد عقود طويلة من الجدل حول حقيقته وحدوده. وحتى لو قال البعض إن هذا التضامن لم يكن واقعًا ملموسًا في يوم من الأيام، فإنه - على الأقل- كان حاضرًا في الإعلام الرسمي، وفي الوعي الجمعي للشعوب العربية من مسقط شرقًا إلى (نواق الشط) غربًا.
هل انتهت شعارات التضامن العربي في الجلسة العاصفة للجامعة العربية 1990؛ التي انقسم فيها العرب إلى أكثر من محور؟ الإجابة تبدأ من هناك فعلاً، فالجلسة الشهيرة، وإن لم تُنهِ التضامن العربي رسمياً، إلا أنها كشفت حجمه الحقيقي، ورفعت الغطاء عن بنية كانت تبدو موحدة من الخارج، لكنها تحمل في داخلها تناقضات عميقة.
فأول ما كشفته تلك اللحظة، هو غياب مشروع عربي حقيقي موحد يقود المنطقة.. بعد سقوط مرحلة (تهريج) القومية، والبعثية و(الملوخية) العربية، التي رفعت شعارات التحرر والوحدة الجوفاء؛ لصالح مشاريع شخصية ضيقة، كانت فيها بعض الأنظمة تتحرك وفق أطماع قادتها الخاصة في الزعامة، وكسب التعاطف الشعبي، لا وفق رؤية جماعية مشتركة.. والدول الأخرى تتحرك ضمن محاور وتحالفات متباينة وربما متضادة، وهكذا، تحوّل المشهد من تضامن مفترض إلى استقطابات متعددة الاتجاهات، تُدار فيه العلاقات بمنطق المكاسب الأيديولوجية، لا الوحدة.
الأخطر أن الجلسة الشهيرة كشفت أيضًا عن (نوايا) كانت كامنة تحت السطح لسنوات طويلة، فما كان يُقدَّم تحت عنوان «التضامن»، لم يكن في جزء كبير منه سوى توازنات هشة، تخفي خلفها قدرًا من التوجس، وأحيانًا الكراهية الصامتة، خصوصًا تجاه دول الخليج الغنية، التي أصبحت ثروتها عنصرًا حساسًا في المعادلة العربية.. كما أن بعض الشعارات ذات الطابع اليساري والقومي لم تكن سوى غطاءً أيديولوجيًا لأطماع مؤجلة.
رغم ذلك، لا يمكن القول إن التضامن العربي انتهى تمامًا، بل أصبح تضامنًا شكلياً انتقائيًا؛ يظهر في أزمات محددة، ويختفي في أخرى، لإرضاء الشعوب، وفق المصالح والظروف، لا وفق المبدأ.. وها نحن اليوم نعيش نفس المأزق المزمن ، الذي أظهرت فيه الجامعة العربية فشلاً ذريعاً في إبداء أبسط مظاهر هذا التضامن الموهوم.
بالرغم من هذا الإرث الثقيل من الخيبات، لا يبدو - لي على الأقل- المشهد العربي محكوم بالبقاء في هذه الدائرة، فمن المفارقة أن الظروف التي أنهت ذلك «التضامن العاطفي»، هي نفسها التي قد تفتح الباب أمام شكل أكثر واقعية منه، فالمنطقة العربية تملك من عناصر القوة ما يكفي لصياغة مشروع حقيقي (موارد طبيعية ضخمة، موقع جغرافي إستراتيجي، وكتلة سكانية مؤثرة).. خصوصاً والإشكال التاريخي لم يكن يومًا في غياب الإمكانات، بل في غياب الإدارة المشتركة القادرة على تحويل هذه المقومات إلى قوة فعلية.
لذا تبدو فكرة الوحدة أو التضامن ضرورة عملية تفرضها التحديات الاقتصادية والأمنية، خصوصاً مع صعود نماذج عالمية أكثر براغماتية، بشرط أن يكون مشروعاً يقوم على التكامل لا على الشعارات، وعلى المصالح المتبادلة لا الخطابات الحماسيّة والأغاني.
من هذا المنظور، تبدو المملكة العربية السعودية مرشحاً حقيقياً لقيادة هذا المشروع، مستفيدة من ثقلها السياسي والاقتصادي، ومن رؤية تسعى لإعادة تشكيل المنطقة على أسس جديدة، وقد عبّر عن هذا التوجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين تحدّث عن نموذج شرق أوسطي يشبه «أوروبا الجديدة»، يقوم على التكامل الاقتصادي، والتنسيق الأمني، وبناء شبكة مصالح تجعل الاستقرار والتنمية خيارًا مشتركًا، لا مجاملة مؤقتة.
هذا الطرح الواقعي -إن حدث- لا يعيد إنتاج حلم التضامن العربي وحسب، بل يتجاوزه نحو تحالف مرن وواقعي، قائم على المصالح والازدهار للجميع، والأهم أنه قابل للتنفيذ وللاستمرار.
هل انتهت شعارات التضامن العربي في الجلسة العاصفة للجامعة العربية 1990؛ التي انقسم فيها العرب إلى أكثر من محور؟ الإجابة تبدأ من هناك فعلاً، فالجلسة الشهيرة، وإن لم تُنهِ التضامن العربي رسمياً، إلا أنها كشفت حجمه الحقيقي، ورفعت الغطاء عن بنية كانت تبدو موحدة من الخارج، لكنها تحمل في داخلها تناقضات عميقة.
فأول ما كشفته تلك اللحظة، هو غياب مشروع عربي حقيقي موحد يقود المنطقة.. بعد سقوط مرحلة (تهريج) القومية، والبعثية و(الملوخية) العربية، التي رفعت شعارات التحرر والوحدة الجوفاء؛ لصالح مشاريع شخصية ضيقة، كانت فيها بعض الأنظمة تتحرك وفق أطماع قادتها الخاصة في الزعامة، وكسب التعاطف الشعبي، لا وفق رؤية جماعية مشتركة.. والدول الأخرى تتحرك ضمن محاور وتحالفات متباينة وربما متضادة، وهكذا، تحوّل المشهد من تضامن مفترض إلى استقطابات متعددة الاتجاهات، تُدار فيه العلاقات بمنطق المكاسب الأيديولوجية، لا الوحدة.
الأخطر أن الجلسة الشهيرة كشفت أيضًا عن (نوايا) كانت كامنة تحت السطح لسنوات طويلة، فما كان يُقدَّم تحت عنوان «التضامن»، لم يكن في جزء كبير منه سوى توازنات هشة، تخفي خلفها قدرًا من التوجس، وأحيانًا الكراهية الصامتة، خصوصًا تجاه دول الخليج الغنية، التي أصبحت ثروتها عنصرًا حساسًا في المعادلة العربية.. كما أن بعض الشعارات ذات الطابع اليساري والقومي لم تكن سوى غطاءً أيديولوجيًا لأطماع مؤجلة.
رغم ذلك، لا يمكن القول إن التضامن العربي انتهى تمامًا، بل أصبح تضامنًا شكلياً انتقائيًا؛ يظهر في أزمات محددة، ويختفي في أخرى، لإرضاء الشعوب، وفق المصالح والظروف، لا وفق المبدأ.. وها نحن اليوم نعيش نفس المأزق المزمن ، الذي أظهرت فيه الجامعة العربية فشلاً ذريعاً في إبداء أبسط مظاهر هذا التضامن الموهوم.
بالرغم من هذا الإرث الثقيل من الخيبات، لا يبدو - لي على الأقل- المشهد العربي محكوم بالبقاء في هذه الدائرة، فمن المفارقة أن الظروف التي أنهت ذلك «التضامن العاطفي»، هي نفسها التي قد تفتح الباب أمام شكل أكثر واقعية منه، فالمنطقة العربية تملك من عناصر القوة ما يكفي لصياغة مشروع حقيقي (موارد طبيعية ضخمة، موقع جغرافي إستراتيجي، وكتلة سكانية مؤثرة).. خصوصاً والإشكال التاريخي لم يكن يومًا في غياب الإمكانات، بل في غياب الإدارة المشتركة القادرة على تحويل هذه المقومات إلى قوة فعلية.
لذا تبدو فكرة الوحدة أو التضامن ضرورة عملية تفرضها التحديات الاقتصادية والأمنية، خصوصاً مع صعود نماذج عالمية أكثر براغماتية، بشرط أن يكون مشروعاً يقوم على التكامل لا على الشعارات، وعلى المصالح المتبادلة لا الخطابات الحماسيّة والأغاني.
من هذا المنظور، تبدو المملكة العربية السعودية مرشحاً حقيقياً لقيادة هذا المشروع، مستفيدة من ثقلها السياسي والاقتصادي، ومن رؤية تسعى لإعادة تشكيل المنطقة على أسس جديدة، وقد عبّر عن هذا التوجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين تحدّث عن نموذج شرق أوسطي يشبه «أوروبا الجديدة»، يقوم على التكامل الاقتصادي، والتنسيق الأمني، وبناء شبكة مصالح تجعل الاستقرار والتنمية خيارًا مشتركًا، لا مجاملة مؤقتة.
هذا الطرح الواقعي -إن حدث- لا يعيد إنتاج حلم التضامن العربي وحسب، بل يتجاوزه نحو تحالف مرن وواقعي، قائم على المصالح والازدهار للجميع، والأهم أنه قابل للتنفيذ وللاستمرار.