كتاب

الإعلام السعودي والذكاء الاصطناعي.. بين الحضور والتردد

سرَّني حضور المؤتمر العاشر للجمعيَّة السعوديَّة للإعلام والاتِّصال بعنوان: (إعلام الذكاء الاصطناعيِّ.. الفرص والتحدِّيات)، وشهدت تقديم أوراق علميَّة ثريَّة في هذا الجانب، وأعطت مؤشِّرات بعضها متفائل وبعضها متردِّد.

ونحن نعيش في ظل التحوُّلات الرقميَّة المتسارعة، لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفًا تقنيًّا، بل غَدَا أداةً مؤثِّرةً في تشكيل المحتوى وصناعة الرَّأي العام. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أصبح الإعلامُ السعوديُّ «ذكيًّا اصطناعيًّا» بالمعنى الحقيقي، أم أنَّه لا يزال في طور التكيُّف؟


على مستوى المؤسَّسات الصحفيَّة، لا يزال المشهدُ في مرحلة انتقاليَّة؛ إذ لم تتجاوز كثير من الجهات أثرَ «صدمة التحوُّل» بعد، لكنَّها في المقابل تُظهر صمودًا وفرصةً قائمةً للانخراط الفاعل في هذه الموجة التقنيَّة. وقد بدأت ملامح التقدُّم تتَّضح عبر تبنِّي أدوات الذكاء الاصطناعيِّ، خصوصًا في غرف الأخبار الرقميَّة، حيث أسهمت هذه التقنيات في تسريع إنتاج المحتوى، وتحليل البيانات، وفهم سلوك الجمهور بدقَّة أعلى.

أمَّا على المستوى التجاريِّ، فقد شرعت بعض المنصَّات الإعلاميَّة في توظيف الخوارزميَّات لاقتراح العناوين، وتحسين الظهور في محرِّكات البحث، بل وإنتاج مسودَّات أوَّليَّة للتقارير بشكل آليٍّ؛ وهو ما يعكس تنامي الوعي بأهميَّة التحوُّل الرقميِّ، انسجامًا مع مستهدَفات رُؤية المملكة 2030.


وعلى صعيد الأفراد، يبدو المشهد أكثر تفاوتًا؛ فبينما برز إعلاميُّون ومؤثِّرُونَ أتقنُوا توظيف أدوات الذكاء الاصطناعيِّ في صناعة المحتوى، لا يزال آخرُون يتعاملُون معها بحذرٍ أو بمعرفةٍ محدودةٍ. ويُعزَى ذلك إلى فجوة المهارات الرقميَّة، وضعف التدريب المتخصِّص، إلى جانب التخوُّف من فقدان «اللمسة الإنسانيَّة» في العمل الإعلاميِّ.

ورغم هذه التحدِّيات، لا ينبغي النَّظر إلى الذكاء الاصطناعيِّ بوصفه بديلًا عن الإعلاميِّ، بل شريكًا داعمًا يعزِّز جودة العمل وكفاءته. فالإبداع، والقدرة على التَّحليل النقديِّ، وفهم السِّياقَين الثقافيِّ والاجتماعيِّ، تظل عناصر بشريَّة يصعب استبدالها. ويبقى التحدِّي الأبرز في كيفيَّة توظيف هذه الأدوات دون التَّفريط في الهويَّة المهنيَّة، أو تآكل البصمة الشخصيَّة للإعلاميِّ.

خلاصة القول، يقف الإعلامُ السعوديُّ، بمختلف مكوِّناته، أمام اختبار حقيقيٍّ بين الفرص والمخاطر. ورغم صعوبة التحدِّي، فإنَّ مكاسبه المحتملة كبيرةٌ، شريطة أنْ تقود المرحلة قياداتٌ واعيةٌ تمتلك مزيجًا من الكفاءة التقنيَّة والبصيرة المهنيَّة. فالإعلام «الذكي اصطناعيًّا» لا يُقَاس بوفرة الأدوات، بل بقدرة واعية على توظيفها ضمن إطار أخلاقيٍّ وإستراتيجيٍّ يواكب طموحات الوطن.

أخبار ذات صلة

الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
;
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
;
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
;
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة
بيت الوجيه نصيف
رسالتي إلى أمين جدة الجديد