كتاب
فرسان.. في زمن الأخلاق المطاطية!
تاريخ النشر: 14 أبريل 2026 22:36 KSA
أحد الأصدقاء تقاعد قبل أشهر، بعد رحلة طويلة في بيئات عمل لم تُنصفه؛ إذ لم ينل ما يستحق من مناصب، ولا ما يوازي جهده من مكاسب وظيفية.. لكنه ترجّل مقتنعًا أنه خرج منتصرًا، بعد أن ظلّ يمتطي (جواد النزاهة) لأكثر من ثلاثين عامًا، دون أن يفرّط يومًا في مبادئه، أو ينقص من ماء وجهه قطرة.
مشكلة هذا الصديق وأمثاله ليست في افتقارهم للكفاءة، بل في أنهم لا يتقنون «مهارات العصر» من فنون التلوّن والتزلّف؛ لذلك يُصنَّفون في «سوق الانتهازية» كـ»دراويش، أو أغبياء اجتماعيًا»، لأنهم ببساطة لم يفهموا المعادلة، ولم يسمّوا النفاق «ذكاءً اجتماعيًا»، والتسلّق «طموحًا»، وبيع المواقف «مرونة».. وتزداد المشكلة عند من لا يجيدون الدبلوماسية في إيضاح مواقفهم، فيبدون حادّين، سريعي الصدام، وهو ما يجعلهم في نظر كثيرين «متصلّبين»، أو غير قابلين للتكيّف اجتماعيًا.
ومع تزايد هذه البيئات، لم يعد الأمر يبدو كحالات فردية معزولة، بل كملامح نمطٍ يتكرر؛ حيث لا تُقصى القيم صراحة، بل يُعاد تقديمها بأسماء أكثر قبولًا، بما يسمح بتمرير ما كان مرفوضًا في الأصل.. عندها، لا يعود الخطأ مستهجنًا، بل يصبح قابلاً للتجاوز متى ما أُحسن تسويقه، كما يفقد الثبات على المبدأ معناه القديم، ليُنظر إليه بوصفه نوعًا من «الجمود» في بيئة تتقن التبدّل المستمر.
في مثل هذه الأجواء، لا يُعاقَب من يخطئ بقدر ما يُستبعد من يرفض أن يتلوّن، وهنا تحديدًا يبدو أمثال صديقي خارج السياق؛ لا لأنهم أقل فهمًا لما يجري، بل لأنهم اختاروا قدرًا من الوضوح لا تحتمله هذه البيئات، في زمنٍ ينجو فيه الأكثر غموضًا. وربما لم تكن خسارتهم سوى الدليل الأصدق على أنهم لم يشاركوا في اللعبة.
ومع امتداد هذه المفارقات، قد يتسلّل إلى أمثال صديقي شيء من التساؤل الصامت في لحظات؛ حين يرى غيره يتقدّم بخفة، بينما يظل هو في موقعه، رغم ما يملكه من كفاءة وخبرة.. هناك، تبرز أسئلة لا تُقال: هل المشكلة في الطريق الذي يسلكه، أم في الطريق الذي يرفضه؟ وهل أصبح الالتزام عائقًا، أم أن المعايير هي التي تبدّلت؟.
غير أن التأمل في طبيعة تلك «المكاسب» يكشف جانبًا آخر؛ فما فاته لم يكن خارجًا عن سياق تُنال فيه المناصب بـ(الفهلوة)، وتُجمع فيه الفرص بالتنازل، ويُشترى فيه الرضا بثمنٍ من ماء الوجه.. لذلك، قد تبدو خسارته في ظاهرها تراجعًا، لكنها في جوهرها كانت امتناعًا عن دفع ثمنٍ لا يليق به.. ولهذا، لم يكن ضائعًا ولا فاشلًا، بقدر ما كان واحدًا من القلّة التي اختارت ألا تتلوّث.
أخيرًا، لا ينبغي أن تُقاس المسألة بمكاسب المناصب أو خسارتها؛ ففي بيئات تسودها الانتهازية، يصبح الثبات بحد ذاته انتصارًا.. فاختلاف المعايير يفضي إلى اختلاف الطرق؛ إذ إن بعض النجاحات الموهومة لها أثمان لا تليق بالأنقياء، وبعض التأخر ليس عجزًا، بل انحيازٌ للكرامة.. ولهذا، فإن ما يبدو خسارة في موازين السوق، قد يكون أرقى أشكال الصمود لحفظ ما هو أثمن.. لقد كسب صديقي نفسه، وخرج من الميدان شامخًا، ليؤكد أن من يمتطي «جواد النزاهة» لا يسقط، حتى وإن تاه الآخرون في زمن الأخلاق المطاطية.
مشكلة هذا الصديق وأمثاله ليست في افتقارهم للكفاءة، بل في أنهم لا يتقنون «مهارات العصر» من فنون التلوّن والتزلّف؛ لذلك يُصنَّفون في «سوق الانتهازية» كـ»دراويش، أو أغبياء اجتماعيًا»، لأنهم ببساطة لم يفهموا المعادلة، ولم يسمّوا النفاق «ذكاءً اجتماعيًا»، والتسلّق «طموحًا»، وبيع المواقف «مرونة».. وتزداد المشكلة عند من لا يجيدون الدبلوماسية في إيضاح مواقفهم، فيبدون حادّين، سريعي الصدام، وهو ما يجعلهم في نظر كثيرين «متصلّبين»، أو غير قابلين للتكيّف اجتماعيًا.
ومع تزايد هذه البيئات، لم يعد الأمر يبدو كحالات فردية معزولة، بل كملامح نمطٍ يتكرر؛ حيث لا تُقصى القيم صراحة، بل يُعاد تقديمها بأسماء أكثر قبولًا، بما يسمح بتمرير ما كان مرفوضًا في الأصل.. عندها، لا يعود الخطأ مستهجنًا، بل يصبح قابلاً للتجاوز متى ما أُحسن تسويقه، كما يفقد الثبات على المبدأ معناه القديم، ليُنظر إليه بوصفه نوعًا من «الجمود» في بيئة تتقن التبدّل المستمر.
في مثل هذه الأجواء، لا يُعاقَب من يخطئ بقدر ما يُستبعد من يرفض أن يتلوّن، وهنا تحديدًا يبدو أمثال صديقي خارج السياق؛ لا لأنهم أقل فهمًا لما يجري، بل لأنهم اختاروا قدرًا من الوضوح لا تحتمله هذه البيئات، في زمنٍ ينجو فيه الأكثر غموضًا. وربما لم تكن خسارتهم سوى الدليل الأصدق على أنهم لم يشاركوا في اللعبة.
ومع امتداد هذه المفارقات، قد يتسلّل إلى أمثال صديقي شيء من التساؤل الصامت في لحظات؛ حين يرى غيره يتقدّم بخفة، بينما يظل هو في موقعه، رغم ما يملكه من كفاءة وخبرة.. هناك، تبرز أسئلة لا تُقال: هل المشكلة في الطريق الذي يسلكه، أم في الطريق الذي يرفضه؟ وهل أصبح الالتزام عائقًا، أم أن المعايير هي التي تبدّلت؟.
غير أن التأمل في طبيعة تلك «المكاسب» يكشف جانبًا آخر؛ فما فاته لم يكن خارجًا عن سياق تُنال فيه المناصب بـ(الفهلوة)، وتُجمع فيه الفرص بالتنازل، ويُشترى فيه الرضا بثمنٍ من ماء الوجه.. لذلك، قد تبدو خسارته في ظاهرها تراجعًا، لكنها في جوهرها كانت امتناعًا عن دفع ثمنٍ لا يليق به.. ولهذا، لم يكن ضائعًا ولا فاشلًا، بقدر ما كان واحدًا من القلّة التي اختارت ألا تتلوّث.
أخيرًا، لا ينبغي أن تُقاس المسألة بمكاسب المناصب أو خسارتها؛ ففي بيئات تسودها الانتهازية، يصبح الثبات بحد ذاته انتصارًا.. فاختلاف المعايير يفضي إلى اختلاف الطرق؛ إذ إن بعض النجاحات الموهومة لها أثمان لا تليق بالأنقياء، وبعض التأخر ليس عجزًا، بل انحيازٌ للكرامة.. ولهذا، فإن ما يبدو خسارة في موازين السوق، قد يكون أرقى أشكال الصمود لحفظ ما هو أثمن.. لقد كسب صديقي نفسه، وخرج من الميدان شامخًا، ليؤكد أن من يمتطي «جواد النزاهة» لا يسقط، حتى وإن تاه الآخرون في زمن الأخلاق المطاطية.