كتاب

التلقي في مرآة ابن طباطبا والجرجاني

أكد ابن طباطبا على خاصية تأثير الشعر في السامع، بدعوة الشاعر على أن يوجّه عمله إليه على نحو يستطيع أن يكون مؤثرًاً فيه، بحيث يصنعه صنعة متقنة لطيفة مقبولة حسنة مجتلبة لمحبة السامع له، والناظر إليه بعقله، مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه، معتبرًا أن للأشعار الحسنة، على اختلافها، مواقع لطيفة عند الفهم لا تحد كيفيتها؛ كمواقع الطعوم المركبة الخفية التركيب، اللذيذة المذاق، وكالأراييح الفائح، وكالنقوش الملونة التقاسيم، والأصباغ، وكالإيقاع المطرب المختلف التأليف، وكالملامس اللذيذة الشهية.

فابن طباطبا في تأكيداته تلك، يعرض تصوّرًا عن كيفية تلقي الشعر المبنية على ضرورة فهمه، وهذا يعني أنه يرى أن عملية التلقي بالفهم مماثلة لعملية التلقي بالحواس؛ وهذا التصور يجعلنا نتبين أن ابن طباطبا لا يتحدث عن فعالية المتلقي في مواجهة النص فقط، بل من خلال الربط ما بين أثر الشعر وأثر السحر كما يلاحظ في قوله: 'إذا ورد عليك الشعر اللطيف مازج الروح، ولاءم الفهم، وكان أنفذ من نفث السّحر، وأخف دبيبًا من الرقي'، وهو بهذا يقر بأثر الشعر الذي يماثل أثر السحر الذي يتم دون إرادة ممّن يقع عليه.


في حين نلاحظ أن عبدالقاهر الجرجاني يعد أكثر تصورًا في فهم عملية تلقي الشعر المتأسّسة على التقبّل الحسي الذي يضعه في إطار تصورات نظرية مشفوعة بتحليلات نصية ممثلة لها؛ كما نلحظه في تعليله أسباب تأثير التمثيل في النفس، حينما قال: 'فأول ذلك وأظهره أن أُنْس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إيّاه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعمّا يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع'.

ويركز الجرجاني على فاعلية التلقي الحسي، مبينًا تأثيره على السامع الذي ينتقل عبر التمثيل= 'من العقل إلى العيان والحس'، فيحصل له الأنس بالانتقال 'عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر'، ثم يمعن الحديث عن التخييل في الشعر كاشفًا كيفية تجلياته في الصور البيانية= الاستعارات، والتشبيهات، والتمثيل، وغيرها، رابطًا هذا بعمق التأثير في المتلقي تأثيرًا يصل حدّ السحر؛ فالتخيلات 'تعجب وتخلب، وتروق وتوّنق، وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب من الفتنة لا ينكر مكانه، ولا يخفى شأنه'.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!