كتاب

الأدب.. والعلم التجريبي

لا غرابة بعد أنْ اعترف الناقد الإنجليزي جورج ستينر بأنَّ قيمة الأدب تفوق قيمة العلم التجريبي، أنْ تتولَّد؛ بل تزيد لدينا القناعة بأنَّ الأدب ليس مجرَّد ترف وتسلية تندرج في ذيول قوائم المعرفة الإنسانيَّة؛ بل هو حاجة إنسانيَّة ضروريَّة تضارع احتياج الإنسان للصاروخ والطَّائرة، وكل وسائل التقنية الحديثة، وكافَّة معطيات العلم التجريبي بصفة عامَّة.

وفي هذا السياق، يشير محمود الربيعي إلى أنَّ ستينر يذهب إلى أكثر من هذا، عندما أكَّد أنَّ إدراك الحقيقة التي يمكن استخلاصها من التطوير الفني لدى كبار الأدباء، لا يمكن أنْ تتحقَّق عن طريق العلم التجريبي، وذلك؛ لأنَّ هذا العلم -يقصد التجريبي- قاصر عن إدراك الدوافع الإنسانيَّة على خلاف الأدب.


ولا شكَّ أنَّ مفهوم ستينر ذلك لم يأتِ من فراغ، ولم يكن حكمه على الأدب بهذا النهج مجرد نزعة انطباعيَّة؛ بل هو ممَّن عاش الواقع الأدبي ومارسه ونقده في عصر يموج بالجديد، ويتزاحم بشتَّى المفردات العصريَّة، فلا فكر من وجهة نظر المناهضين لدور الأدب، ولا إشباع ولا تقدُّم إلَّا بالعلم والتجربة وحدهما.. وتلك فرية أُخْرى تقوم مقام النظرة الأحاديَّة للعلوم وأهميتها، تضاف إلى خطيئات ما أنتجته الحضارة المعاصرة.

ولعلَّ هذا الاستهلال الذي قادنا إليه ستينر يجرُّنا إلى الحديث أكثر عن ماهيَّة الأدب وطبيعته، ومن ثم دوره وتأثيره العام، وتأثُّره بكافَّة مناشط الحياة، الأمر الذي معه يمكن القول كما تقول الموسوعة العربية: «إذ تغدو وظيفة الأدب أكثر تعقيدًا، ولكنَّها تبقى جزءًا من وظيفة الفن عامَّة وهي القيام الأمين على المُثل الرفيعة والقِيم الإنسانيَّة السَّامية التي لا تكون المجتمعات البشريَّة إنسانيَّة بحق من دونها».


إنَّ أقل ما يوصف به العمل الأدبي أو الفن عمومًا؛ أنَّه حيٌّ في النَّفس الإنسانيَّة، يخلقه أو يبدعه أو ينتجه كائنٌ اجتماعيٌّ له ميوله وأهواؤه وتوجهاته السياسيَّة والفكريَّة -كما تشي إليه الموسوعة العربيَّة-، كما أنَّ له ظروفه الاقتصاديَّة ومكانته الاجتماعيَّة. والأدب الذي ينتجه ليس إلَّا جزءًا من نشاطاته المختلفة، وهو لذلك يتبادل التأثير، وهذه النَّشاطات ولاسيَّما تلك التي تنتهي بإنتاج معرفي أو فنِّي؛ كالفكر والفلسفة والتأريخ والأسطورة والفنون الجميلة والعلوم وغيرها.. وأيُّ معنيٍّ بالأدب ودرسه مضطرٌ إلى النظر في صِلات الأدب بهذه الفعاليات، وحصيلتها بغرض الوصول إلى فهم أفضل لهذه الظَّاهرة المعقَّدة.

كثيرون يميلون إلى أنَّ الأدب يُحرِّك النُّفوس ويطربها؛ بل يناغمها تناغمًا يليق بطبيعتها المائلة إلى الدِّعة والسكون، فإنْ انتفت هذه الخصيصةُ من أيِّ عمل فنيٍّ، فليراجع المؤلِّف نفسه، وليبحث عن مخرج يعيد إليه القرَّاء ويجذبهم إليه؛ فالأدب بوجه عام، والشعر في جانب كبير منه وجداني -حسب ما يقول به السيد تقي الدين-، وذلك واضح في غزل العرب ومراثيهم، كما هو عند الخنساء وجرير وعمر بن أبي ربيعة والبحتري في القديم، وعند حافظ وشوقي وناجي وعلي طه في الحديث.. بيد أنَّه لم يهمل الحكمة والفلسفة مرورًا بزهير وأبي العلاء والمتنبي في القديم، والبارودي وشوقي، ومحمد حسن فقي في العصر الحديث.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!