كتاب

جلاء الغيمة في خيالات رأس الخيمة

يَحتاجُ المَرءُ في زَحمة الحيَاة، وطَحن أفكَارها، وضغُوط مَسؤوليَّاتها، أنْ يَخرج إلى الخيَالِ، ويَستعرض الأحلَام، ويَستدعِي شَيئًا مِن ذكريَات الطُّفولة، وعَصر الوَلدَنَة..!

حَسنًا.. سأُحدِّثكم عَن قصَّة هي خَاصَّة بِي، ولَكن الخَاص قَد يَكون عَامًّا، بمَعنَى أنَّني مُتأكِّد أنَّ كُلَّ وَاحد مِنكم -أو وَاحدة مِنكنَّ- لَديها مِثل هَذه القصَّة، أو قصَّة تُشابهها..!


عِندَما كُنتُ طِفلًا في سِن السَّابعة، أرْسَلَت الدَّولة

-رَعاهَا الله- خَالي الشَّيخ «محمد عبدالله العجلان» -رحمه الله- لافتتاح معهد رأس الخيمة العلميِّ التابع لجامعة الإمام، وذلك في عام 1388هـ الموافق 1968م، حين كانت الجامعة تحت مسمَّى الإدارة العامَّة للكليَّات والمعاهد العلميَّة، ولم تكن دولة الإمارات قد تشكَّلت في تلك الفترة، بل كانت إمارة «رأس الخيمة» إمارة مستقلَّة تابعه لنفسها.


سافر -رحمه الله- إلى هناك، واستمرَّ في خدمة العلم والقضاء ما يقارب ثلاثين عامًا. بدأ مشواره مديرًا للمعهد، ثم أسَّس كلية الشريعة التابعة له. وبعد ذلك، وبناءً على طلب من حاكم رأس الخيمة الشيخ صقر -رحمه الله- ووزارة العدل، انتقل للعمل في القضاء بمسمَّى رئيس القضاء الشرعي، حيث تدرَّج في المناصب من رئيس (باء)، إلى رئيس (ألف)، ثمَّ إلى قاضي استئناف في رأس الخيمة. وأثناء عمله هناك أنشأ صرحًا ضخمًا في مدخل الإمارة كفرع لجامعة الإمام محمد بن سعود، ومعهد رأس الخيمة العلمي.. ومازال هذا الصرح في مدخل المدينة، شاهدًا على جهوده وعطائه، وقد قام ببناء هذا الصرح شركة بن لادن المتخصِّصة في البناء والتعمير.

وكل هذه المعلومات لم أدركها؛ لأنَّني لم أُولد بعد، وإنَّما استقيتها من خالي العزيز القاضي المثمر «أحمد بن عبدالله العجلان» -حفظه الله ورعاه-.

وهَذا، لَيس هو السَّبب في إيرَاد القصَّة، وإنَّما السَّبب هو الخيَال المُتكوِّن؛ عِندَما يَسمع طِفل في سِن السَّابعة مُفردة «رأس الخيمة»، بالتَّأكيد «رأس الخيمة» إمَارة عَزيزة مِن إمَارات دولة «الإمارات العَربيَّة المتَّحدة»، ولَكنْ طِفلٌ صَغيرٌ لَم يَكن يُلم بالجُغرَافيا، أو تَاريخ الأمَاكن؛ مِن الصُّعوبةِ بمَكان أنْ يُحدِّد: مَاذا تَعني «رأس الخيمة»..!

عِندَما سَمع الطِّفل أُمَّه لؤلؤة العجلان -رحمها الله- تَقول لَه: إنَّ خَالك «محمد» في «رأس الخيمة»، لَم يَتخيَّل «الخَال»، وإنَّما أخَذَ يَتخيَّل مُفردة «رأس الخيمة»، ومَدَى انطبَاق الاسم عَلى المُسمَّى، فجَاء في بَال الطِفل أنَّ المَدينة عبَارة عَن خيمةٍ، وفَوقها رَأسٌ مُعلَّقٌ، ثُمَّ ألغَى هَذه الصُّورة مِن خَياله، وقَال: لا، هي مَدينة وفي سَطحها خيمة، ثُمَّ لَم يَقتنع الطِّفل بهَذا الخيَال، فقَال لنَفسه: لا، بَل هي مَدينة في مَدخلها خيمة، ثُمَّ جَلَس يُفكِّر ويُحلِّل الكَلِمَة، وإذَا بهَا لَيست خيمةً؛ وإنَّما رَأس خيمة، فأعَاد الخيَالات مِن جَديد وقَال:

هي نِصف خيمة فَوق المَدينة.. ثُمَّ لَم يَستسغ هَذه الفِكرة فقَال: بَل هي عَامود في دَاخل المَدينة، وفَوقه خيمة صَغيرة..!

ثُمَّ لَم يَقتنع بذَلك فقَال: يَبدو أنَّه رَجُل فَوق رَأسهِ خيمةٌ، وهكَذا أصبَح الطِّفل في صرَاع مَع خيَالاته؛ التي كبرت مَع الأيَّام، فأصبَح حلمه في الدُّنيا أنْ يَزور «رأس الخيمة»، ليرَى مَا الرَّأس؟ ومَا الخيمة؟!

استَمَرَّ هَذا الحلم (40) سنَةً، ولَم يَتحقَّق إلَّا قَبل أيَّام، عِندَما زَار الطِّفلُ الكَبيرُ «رأس الخيمة»، ولَم يَجد شَيئًا مِن خيَالاته، بَل وَجَد مَدينةً جذَّابةً، لَيست بَعيدة الشَّبه عَن مَدينة «بريدة»، أو «عنيزة»..!

غير أنَّها تختلف عن باقي المدن؛ لأنَّها تضم الثلاثي العجيب في التضاريس، وهي: «البحر، والجبل، والصحراء «النفود».

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: يا قوم، لقد زرتُ رأس الخيمة، وتعرَّفتُ إلى بعض أهلها الطيِّبين.. وتمتَّعتُ في الإقامة فيها، واطَّلعتُ على معالم نهوضها، والمستقبل الكبير الذي الذي ينتظرها... وسعدتُ كثيرًا بكلِّ ما رأيتُ وسمعتُ عن هذه الإمارة الرَّاسخة في التاريخ والجغرافيا..

حقًّا، لقد سعدتُ بالزيارة.. ولكنَّ المحزن أنَّ خيالاتي توقَّفت بعد الزيارة.. لذلك أقول: مِن الأفضَل لَكم أنْ تَبقَى أحلَامكم أحلامًا بلَا تحقُّق؛ لأنَّ حلم الطِّفل بتخيُّلات شَكل «رأس الخيمة» انتَهى؛ بانتهَاء زيَارته لَها، لذَا حَافظُوا عَلى أحلَامكم، وإيَّاكم أنْ تُفكِّروا في تَحقيقها، فتَنتهي أمَانيكم وخيَالاتكم..!

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة