كتاب

خطورة الكلمة.. والدلالة الاصطلاحية

دعونا نقابل هذين الموقفَين؛ لنستبين أهميَّة تحديد مفهوم بعض المصطلحات والكلمات، ومدى خطورتها في الفَهْم والتَّصوُّر.. ولا أدلَّ على ذلك، من قصَّة تلك المرأة، التي قَتَلَ أحدُ جنودِ هارون الرشيد -رحمه الله- ولدَهَا، وسرق مالَهُ، فدخلت المرأةُ على الخليفة بكامل هدوئها؛ ولكنَّها تكظم في سريرتها ثورة غضبها، فقالت: «السَّلام عليك يا أميرَ المؤمنين، أقرَّ الله عينيك، وفرَّحك بما أعطاك، لقد حكمت فقسطت»، فظنَّ الحاضرُونَ أنَّ المرأة تدعُو للخليفة بالخير والفلاح، غير أنَّ الخليفة أدرك المعاني الخفيَّة، المتوارية وراء ظاهر الكلام.. فقال: وَيْحَكُم، إنَّها تدعو عليَّ بالثبور، والهلاك! فقال الحاضرُونَ: كيف يا أمير المؤمنين؟ قال: فأمَّا قولها: أقرَّ الله عينيك، أي أسكنهمَا عن الحركة، فهي تدعو عليَّ بالموت.. أمَّا قولها: فرَّحك الله بما أعطاك، فتعني به قوله تعالى: (إنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفَرِحِينَ).. أي المتكبِّرِينَ. وأمَّا قولها: لقد حكمت فقسطت، فتعني به قوله تعالى: (وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)، أي الظَّالمُونَ. فَقَسَطَ تعني ظَلَمَ؛ بينما أَقسَطَ أي عَدَلَ. وسواءً صحَّت تلك القصَّة، أو خالطها شيءٌ من التَّزويق، إلَّا أنَّها تحمل في طيَّاتِها مدى خطورة فَهْم بعض المصطلحات، والكلمات، وما تجرُّه من تَبعاتٍ.

في سياق توظيف الكلمة وجمالها، أنَّ عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عنهُ- مرَّ عَلَى قَومٍ يجتمعُونَ عَلَى شعلةٍ مِن النَّارِ، فقالَ لهُم: «يَا أهلَ الضُّوءِ»، تجنُّبًا من قول: يَا أهلَ النَّارِ؛ لِمَا لهذِهِ الكلمة من دلالة قدحيَّة في قاموس عقيدة المسلمِينَ، ففضَّل استعمال (الضُّوء)، بدل (النَّار)!


إنَّ ابن حزم الظَّاهري تحسَّس خطورة الكلمات، ودلالتها، فقال: «والأصلُ في كلِّ بلاءٍ، وعماءٍ، وتخليطٍ، وفساد اختلاط أسماء، ووقوعِ اسم واحد على معانٍ كثيرةٍ، فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني تحته، فيجعله السَّامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاءُ والإشكالُ، وهذا في الشَّريعة أضرُّ شيءٍ، وأشدُّه هلاكًا لمَن اعتقد الباطل إلَّا مَن وفَّقه اللهُ تعَالَى».

وتبعًا لذلك؛ فإنَّ تعدُّد مضامين المصطلح الواحد، واختلاف توجُّهاته الأيديولوجيَّة يدفع بالمتلقِّي إلى سوء الفَهْم، والإسقاط الخاطئ.


إنَّ المصطلح -كما يعبِّر أحدُ المفكرِينَ- كلمة، أو كلمتان، أو ثلاث كلمات، وقد لا تتعدَّى ذلك إلَّا في حالات نادرة؛ ولكنَّ هذه الكلمةَ قادرةٌ على أنْ تفرغ العقول والقلوب، وتملأها، ولها مفعول السِّحر الذي يستعصي فهمه على المنطق، وقوانين العقل. وغالبًا ما تكون بعيدة عن المحاكمات المحدَّدة، ملتبسة بأثر العواطف والغرائز، وتكتسب -من خلال استعمالها بين شعب وشعب، وظرف وظرف- ظلالًا، ويصبح لها في مسيرها تضاريس ناتئة، وانهدامات غائرة، وتنعكس عليها آثار النُّفوس من حقدٍ، وحسدٍ، وضغينةٍ، وانتقامٍ، وتصرخ من بين حروفها الأهواء، والعواطف الملتوية، التي تغلِّف التواءها بكثير من الادِّعاء، والتَّطاول، وحبِّ التَّغلُّب والسَّيطرة.

إنَّ المصطلح باختصار هو (حبة)، أو (جرعة) سحريَّة، يتناولها فرد، أو جماعة؛ فتحوُّل اتِّجاه تفكيره، أو تفكيرهم من جهة إلى جهة -إنْ لم تُفْقِده التَّفكير أصلًا- وقد يتسلَّل هذا المصطلح إلى العقل العام تسللًا، كأنْ تطرحه جماعة، أو شخص صاحب مصلحة، أو هوى في شيوعه، وانتشاره، فيطرح من خلال وسيلة عامَّة ككتاب، أو إذاعة، أو صحيفة، أو مناهج دراسيَّة.. فيُلْتَقَط، ويُستعمل، ويشيع، ولا يمضي وقت قصير حتَّى تُضاف إليه الشُّروح والحواشي، وتُشذَّب انعكاساته الضَّارة عن طريق تزيينه بأساليب الحكماء والمنظِّرِينَ، فتمتدُّ جذوره إلى ما لا نهاية.

أخبار ذات صلة

كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
;
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟
فصل الموظف.. هو آخر الحلول
;
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!