كتاب

أبو راضي جعل البعوض من الماضي!

كنتُ في الماضي أتابعُ المقاطع السياسيَّة، والبرامج الأدبيَّة، وحلقات النِّقاش التي تدور هنا وهناك، وبعد أنْ تعرَّفتُ على الحياة بشكل أكبر، انصرف وقتي -وأقصد هنا وقت الفراغ- إلى متابعة مقاطع الطَّبخ التي تكحل عيني، وتثري معدتي، وكذلك صرتُ ألاحقُ كلَّ ما يجعل حياتي أجملَ وأسهلَ وأكملَ..!

ومن هؤلاء الذين أحرصُ على متابعتهم، ذلكم الشَّابُّ الذي أفادني كثيرًا، وأعني به :»أبو راضي».


أبو راضي شابٌّ ذكيٌّ معطاءٌ من شباب بريدة، يحاول أنْ يعلِّم النَّاس كيف يصلحُونَ ثلاجاتِهِم وأفرانَهم وسيَّاراتِهم؛ وكيف يستخدمُونَ الأوراق ويحولُونَها إلى كاساتٍ، وكيف يتخلَّصُون من البعوض بأدوات بسيطة.

على سبيل المثال: كنتُ مرَّةً في إحدى الدول الأوروبيَّة، فهجمَ عليَّ سربٌ من البعوض، وبحثتُ في قوقل وكتبتُ: كيف أتخلَّصُ من البعوض؟! ظهر لي مقطع للشَّاب المُبدع أبو راضي يقول فيه: «ضعْ ملعقةَ فكس في كوب شاهٍ، وأضف عليه ماءً حارًّا، حينها سيتبخَّر الفكس في الغرفة، ويطرد البعوض»!


لقد طبَّقتُ الفكرة عندها هرب البعوضُ؛ ولأنَّ المسافة بيني وبين «أبو راضي» تصل لآلاف الكيلومترات، فقد رفعتُ يدي إلى السَّماء وقلتُ: «اللَّهُمَّ بارك لأبي راضي في وقتهِ، ووفِّقهُ لما تحبُّ وتَرضَى».

والسؤال هنا: مَن هُو «أبو راضي»؟!

لقد حاولتُ أنْ أبحثَ عنه؛ لأنِّي لا أعرفه!

فسالت القاصي والدَّاني حتَّى جمعت عنه هذه السِّيرة، وهي على النحو التالي:

أبو راضي هو المُبدع خالد بن راضي العنزي.. إنَّه حكايةُ شغفٍ بدأ بمفكٍّ، وانتهى بحكاية فزعة لا تنتهي!

في زمنٍ كانت فيه الألعاب هي عالم الطفولة الأوَّل، كان أبو راضي مختلفًا عن أقرانه. لم يكن يجذبه بريق السيَّارات البلاستيكيَّة، ولا أصوات المسدَّسات الملوَّنة، بل كانت عيناه تلمعان حين يرى مفكًّا، أو كماشةً، أو عدَّة نجارة.

كان شغوفًا بالعمل، عاشقًا للاستكشاف، لا يقتنع بشيءٍ حتى يجرِّبه بنفسه، حتَّى وإنْ كانت التجربة تحمل في طيَّاتها الخطأ قبل الصَّواب.

من الصف الرابع الابتدائي تقريبًا، بدأت ملامح شخصيَّته تتشكَّل بوضوح، اكتشف المقرَّبُونَ منه أنَّ الطِّفل الذي يُمنح نقودًا لشراء لعبة، يعود بعد ساعات حاملًا صندوق أدوات. كان يرى في المفكَّات والعِدد متعةً تفوق أيَّ لعبةٍ، وكأنَّ بينه وبين الحديد والكهرباء لغةً خاصَّةً لا يفهمها سواه.

كانت بداياتُه بسيطةً، لكنَّها عميقةُ الأثرِ.. لمبات تُركَّب، «بزابيز» سباكة تُصلَّح، أجهزة منزليَّة تُفَّك وتُعاد للحياة من جديد.

لم يكن يخشى المحاولة، بل كان يعتبر الخطأ جزءًا من الدَّرس، حتَّى الكهرباء، التي لذعته أكثر من مرَّة، لم تُثنهِ عن شغفِهِ.. لقد كان يسير على نهجٍ واضحٍ اسمه: التعلُّم بالتجربةِ، والتطوُّر بالممارسةِ.

كبرَ أبو راضي، وكبرَ معه شغفُه، حتَّى صار من النَّادر أنْ يدخل عاملٌ إلى منزله لإنجاز عملٍ ما، فقد أصبح هو العنوان الأوَّل لكلِّ عطلٍ منزليٍّ، وكل مهمَّةٍ تحتاج يدًا خبيرةً!

تطوَّرت موهبته من أعمال المنزل إلى الميكانيكا الخفيفة، وكهرباء السيَّارات، وهناك كان لسيَّارته الـ»داتسون» -كثيرة الأعطال- فضلٌ لا يُنسَى. لم تكن مجرَّد مركبة، بل كانت مدرسة عمليَّة يوميَّة، تعلَّم منها الصَّبر، والدِّقَّة، والبحث عن الحلول، وزادت ثقته بنفسه مع كلِّ عطلٍ يُصلحه بيده.

ولوالده -رحمه الله- دورٌ لا يمكن تجاهله في هذه الرِّحلة. فقد كان الدَّاعم الأوَّل، والمحفِّز الأكبر، يفتح له الباب ليجرِّب ويتعلَّم، ويزرع فيه قيمة الفزعة، ومساعدة الآخرِينَ. لم تكن الموهبة هدفًا شخصيًّا بقدر ما كانت وسيلةً لخدمة الجيران والأقارب. وهكذا، شيئًا فشيئًا، أصبح اسم «أبو راضي» معروفًا على مستوى الحارة. إذا تعطَّلت سيَّارة، أو انقطعت كهرباء، أو تعطَّلت مضخَّة ماء، فالوجهة واحدة: أبو راضي.

عرفه النَّاس بالفزعة قبل الحرفة، وبالمبادرة قبل المهارة. لم يكن يتردَّد، ولم يكن ينتظر مقابلًا، بل كان يرى في مساعدة الآخرِينَ واجبًا وامتدادًا لما تربَّى عليه.

ومع تسارع الزَّمن وتطوُّر التقنية، دخلت وسائل التواصل الاجتماعيِّ إلى المشهد. لم يصنع أبو راضي صورةً مختلفةً عن واقعه، ولم يتقمَّص دورًا غير دوره.

ما ظهر في «السوشال ميديا» لم يكن إلَّا انعكاسًا لحياةٍ عاشها منذ الصغر؛ شغفٌ حقيقيٌّ، خبرةٌ متراكمةٌ، وفزعةٌ أصيلةٌ. فانتقلت قصته من حدود الحارة إلى نطاقٍ أوسعَ، يشاهدها ويتفاعل معها الملايين.

حسنًا ماذا بقي؟!

بقي القول: قصَّة «أبو راضي» ليست مجرَّد حكاية رجل أتقن الأعمال اليدويَّة، بل قصَّة شغفٍ صادقٍ، وإصرارٍ على التعلُّم، وإيمانٍ بأن التجربة -مهما كانت نتائجها- هي الطَّريق الأقصر للخبرة. هي قصَّة طفل اختار المفكَّ بدل اللُّعبة، فكبر ليصبح رمزًا للعطاء، والاعتماد على النَّفس، ودليلًا حيًّا على أنَّ البدايات الصغيرة قد تصنع أثرًا كبيرًا يمتد لسنوات طويلة.

وأخيرًا؛ بالله عليكم؛ حين هجم عليَّ البعوض -وقرأتُ عليه بعض المقاطع من السياسة، أو الثقافة- هل سيهرب مثلما فعل حين شمَّ رائحة الفكس التي تعلَّمتُها من أبي راضي، بارك الله فيه؟

أخبار ذات صلة

الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
;
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
;
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
;
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة
بيت الوجيه نصيف
رسالتي إلى أمين جدة الجديد